
قلم: مازن البلداوي
تخطيط: البولوني إيغور بولسكي
إنَّ من الأهمية بمكان تعرُّف مفردات الكلام الذي يتناوله الكاتب ليكون مفهوماً واضحاً للعدد الأكبر من القراء والمتابعين فيكون هذا الفهم بوَّابة للدخول إلى كُنه الحديث الذي سيدور عن المفاهيم التي يود الكاتب طرحها في مقالته أو كتابه.
نتناول في حديثنا اليوم مفهومين قد يتشابهان في حروف صياغتهما لكن ثمَّة فرق شاسع ينضوي تحت دلالة تلكم الصياغة قد يكون وصفه بالتضاد تضخيماً لا يستحقه المفهومان، ومن ثمَّ فقد يأخذ الوصف قارىءَ المقال إلى أبعد ممَّا يجب ويوصله إلى متاهة من المعاني والدلالات غير الحقيقية فنكون حينها قد ابتعدنا كثيراً عمَّا يجب علينا فعله من طرح واضح ومبسَّط إلى الحد الذي يمكِّن القارىء البسيط من المتابعة وفهم ما نريد طرحه.
لا يخفى على أحد أنَّ مفهوم “البَصَر” -بباء وصاد مفتوحتين- يقترب من مفهوم “النظر” بأقرب درجاته لكنه لا يعني الدلالة الحقيقية له؛ قال تعالى في الآية 198 من سورة الأعراف (( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون))، فنرى هنا وضوح اختلاف المعنى بين عملية الإبصار وعملية النظر فالصياغة تشير إلى أنَّ الشخص قد يكون ناظراً إلى شيء معين إلَّا أنَّ هذا النظر غير مرتبط بعملية الإدراك لكُنهِ هذا الشيء أو معناه ومن الممكن أن لا يعرف معناه أو دلالته وإن كان في كثير من الأحيان يعرف ملامح تجسد الصياغة غير أنَّ المعنى سيكون بعيداً عن متناول إدراكه العقلي وقد يعرّفه بتسمية خاطئة.
يقودنا الكلام هنا إلى التمعن قليلاً في دلالة مفهوم الإدراك المرتبط بالإبصار فهو يقوم بتحويل عملية النظر من حالة تيه تشخيصي إلى حالة تعريف معلوماتي تمكِّن الناظر من وصف معنى المنظور إليه أو دلالته كي يفهم الآخرون الأمرَ أو الحدث. ومن الواجب علينا هنا أن نوضح معنى مفهوم “الإدراك” لأنَّه المفتاح الأساسي لمفهوم الإبصار موضع البحث هنا، فالإدراك يرتبط بمديات معلوماتية مستقاة من الخزين المعرفي للأفراد والجماعات والمجتمعات بشكل أكبر تتشكل بموجبها مفردات الثقافة التي تخص هذه المجموعة أو تلك بالطريقة التي قد تتوافق بها الجماعات المختلفة أو تختلف فيما بينها في حيثيات وصف المعنى وملامح تعريفه للسامع كي تتجسد صورة الشكل المنظور بما يتلاءم ومفردات الإدراك الموجودة في خزانة المعرفة الشخصية للفرد أو المجتمع بوصفها ثوابت متفقاً عليها.
ولو أردت أن أجيء بمثال على هذا لقلت:
نعلم جميعاً ما تعني كلمة “طائرة” مثلاً. ولو قلتها بين مجموعة تتحدث اللغة العربية لأدركها الكبير والصغير الذي أدرجها في مكتبته المعرفية وإن قلت الكلمة بلغة أخرى تعطي الدلالة المتفق عليها لمعنى هذه الكلمة. غير أنَّه من المستحيل أن يستطيع أي شخص أن يدرك المعنى المقصود من دلالة التعبير عن الكلمة إن لم يكن قد اختزن معناها ودلالتها في خزينه المعرفي، كأن يكون في إحدى القرى المنعزلة في غابات الأمزون أو في مكان آخر من العالم، غير أنَّه يستطيع وصفها والتعبير عنها إذا كانت هنالك كلمة معينة تدل عليها في مكتبة الخزين المعرفي لمجتمعه.
بهذا نكون قد أوضحنا بمثال بسيط آلية التعريف بالأشياء بعد النظر إليها ومن ثم إبصارها ليكون التعبير مركَّباً بين النظر والإدراك، ومن هنا أيضاً نستطيع الدخول إلى باحة الغموض والارتباك والتعمية أحياناً التي يقع فيها القارىء لعبارة ما أو لكلمات معينة في خطاب معيَّن ينظر إليها لكن يصعب عليه إدراك معناها الحقيقي في سياق نص معين صِيغَ ليؤدي غرضاً معيَّناً أو يرشد إلى معنى محدَّد مع الأخذ بنظر الاعتبار العوامل (الزمكانية) التي تمت بموجبها تلكم الصياغة فكانت لتلك الكلمات حيثيات متعلقة بوصفها بموجب معطيات زمن الصياغة الذي حصلت فيه، غير أنَّ هذه الكلمات قد أصبحت جامدة ومقيدة جداً بعد مرور زمن طويل عليها إذا ما شاهدنا تغيُّر العوامل (الزمكانية) لصياغتها. إنَّنا اليوم نستهجن تصرفات بعض الأشخاص أو المجموعات التي تستنتج معاني بعض الصياغات خارج إطار تأثير العوامل (الزمكانية) وتحاول تطبيقها وفق هذه العوامل المتغيرة وبما هي عليه اليوم. وهذا بالطبع يكون مدفوعاً ببعض المصالح السياسية أو المنافع الانتهازية التي تحاول أن تمتطي صهوة الصياغة بعيداً عن المعنى (الزمكاني) لكي يُفرَض تطبيقها بموجب دلالات الإدراك (الزمكاني) القديم.
“الإدراك” مفهوم بحره واسع متعدِّد الأعماق، قد يستطيع من يود الغوص فيه أن يصل إلى غاية مراده أو قد يصعب عليه ذلك فيكتفي بالعمق الذي استطاع الوصول إليه بما يتلاءم مع قدراته ومؤهِّلاته. يقودنا هذا المفهوم إلى إلقاء الضوء على الجزء الآخر من هذا المقال المرتبط بمفهوم “البصيرة” المشتقِّ أساساً من كلمة “البصر” إذ يرتبط الإدراك بمفهوم البصر ليبني رفّاً جديداً من رفوف المعرفة لدى الفرد تمكِّنه من الحكم على الأشياء والأحداث مسبقاً وبشكل يحتاط فيه لما يمكن أن يضرَّه أو يضرَّ غيره فيبدأ باستخدام خبرته في هذا المجال من أجل التقييم وإصدار الحكم كما يراه هو من خلال عموميات الحدث ومن خلال الأخذ بنظر الاعتبار العوامل الأخرى المحيطة به أو بالأخذ برأي الشخص الذي يطلب إليه إسداء النصيحة مثلاً.
إنَّ مفهوم “البصيرة” أمرٌ مهمٌّ يكاد يتداخل معنا جميعاً خلال مراحل حياتنا إذا ما استطعنا تبسيط فهمه ليكون السلطة الحاكمة التي تحدِّد لنا مسارات حياتنا من خلال الخيارات والأحكام التي نصدرها على الأحداث التي تمرُّ بنا يومياً. والأمر ليس هيِّناً بالنسبة لمن هم في مرحلة الطفولة والشباب إذ تتلاطم إرادات الرغبة بحواجز الجائز وغير الجائز والمتاح وغير المتاح والخطر وغير الخطر وغيرها من الحواجز الأخرى التي تحيط بنا من خلال حيثيات البيئة الاجتماعية الحاضنة لنا وعوامل (الزمكان) كما تقدم قوله. ولو نظرنا إلى بعض مايقال بهذا الصدد فسنجد مثلاً أنَّ:
- مالكولم فوربس يقول: إنَّ أفضل الرؤية هي الاستبصار.
- إدموند ويلسون الكاتب والناقد الأميركي يقول: إنَّ العبقرية الحقيقية للاستبصار الأخلاقي هي المحرك الذي يستطيع تشغيل أيِّ ماكنة.
- ديانا أبوت (النائبة العمالية البريطانية) تقول: إن استبصار الغرباء في أمر ما غالباً ما يكون مختلفاً عمَّن هم في داخله.
- هنري كيسنجر يقول: أنا لا أنسب لنفسي أيَّ كفاءة خاصة في البصيرة الاقتصادية لكني أترجم ما أسمعه من الأشخاص الأذكياء للغاية إلى مقترحات سياسية وفلسفية.
- يوهان غوتة الكاتب الألماني الرائع يقول: ليس هنالك أمر أكثر فظاعة من أن يتصرف المرء دون بصيرة.
- ثك نات هان الراهب البوذي الفيتنامي يقول: إنَّ الغرض من التأمُّل التعمقُ والاستبصار اللازم لاتخاذ قرار ما وليس الابتعاد عن المجتمع، وهو ليس مجرَّد الجلوس للاستمتاع بالهدوء والسلام لغرض التفكير.
ومن خلال ما قدَّمنا أعلاه من آراء نستطيع القول إنَّ سعة البصيرة وعمقها تؤسِّس إلى عمق استبصاري مهمَّته أن يقوم بدراسة الحيثيات والكيفيات التي ستؤول إليها الأمور في بدايتها وتؤدِّي الخبرة العملية والثقافية دوراً واسعاً في تمتين أواصر الاستبصار بين المرء ونفسه فإنَّ الأفراد الآخرين سيكونون أفضل حالاً وأسعد عندما يسألون أولئك الذين لديهم قدرة الاستبصار عن رأيهم في أمر ما لأنَّ هذه الاستشارة ستساعدهم كثيراً في توضيح ما غاب عنهم ابتداءً.
إنَّ اكثر ما يحتاج المرء لاستخدام بصيرته يكون عند التعامل مع الآخرين بخاصَّةٍ في الأمور المستقبلية المشتركة التي تستدعي بعد نظر، كما يقال، وهذا من شأنه أن يبقي على العلاقة ثابتة خصوصاً إذا كانت هناك مصلحة مشتركة بين أفراد مجموعة من الغرباء أو حتى الأصدقاء لتحاشي الوقوع في المحظور مستقبلاً عند اتخاذ القرارات المشتركة.
ختاماً، قد يكون أكثر من هم في عمر الشباب بعيدين عن موضوع الاستبصار مأخوذين بالإعجاب بآرائهم ظانِّين أنَّ أحكامهم صحيحة، فلا يطلبون النُّصح ولا يحاولون تحسين قدرات الاستبصار لديهم لكي يرتقي ميزانهم في الحكم وتقويم أمور الحياة، فيصيبهم الاحباط من الفشل أو الخسائر ثمَّ ينعكس ذلك سلباً على شخصياتهم وقد يقودهم إلى الاكتئاب أو العزلة.
References:
- Malcolm Forbes: The Best Vision is Insights. https://www.brainyquote.com/quotes/malcolm_forbes_151535
- Edmund Wilson : Real genius of moral insight is a motor which will start any engine. https://quotefancy.com/quote/1472362/Edmund-Wilson-Real-genius-of-moral-insight-is-a-motor-which-will-start-any-engine
- Henry Kissinger: I don’t ascribe to myself any special competence in economic insight. I translate what I hear from highly intelligent people into political and philosophical propositions. https://www.brainyquote.com/quotes/henry_kissinger_802370?src=t_insight
- Diane Abbott: Outsiders often have an insight that an insider does not quite have. https://www.brainyquote.com/quotes/diane_abbott_445672
- Johann Wolfgang von Goethe: There is nothing so terrible as activity without insight. https://www.brainyquote.com/quotes/johann_wolfgang_von_goeth_382514?src=t_insight
- Thich Nhat Hanh: Meditation is not to avoid society; it is to look deep to have the kind of insight you need to take action. To think that it is just to sit down and enjoy the calm and peace, is wrong. https://www.brainyquote.com/quotes/thich_nhat_hanh_591356?src=t_insight
