On Education ~ إطلالة تاريخية على التربية والتعليم

Basil Younis Thanoon

Abstract

One of the most successful and impactful educational programs is “Open Sesame”, whose roots are deeply embedded in Arab educational history. This article provides a historical overview of education, beginning in prehistoric times, continuing through the Islamic era, and culminating in the modern age. It addresses both aspects of education: home education and formal schooling, concluding with the story of Thomas Edison, whose mother’s home-based upbringing transformed him from a struggling student into a scientist who illuminated the darkness for humanity.

الملخَّص
من البرامج التربوية الناجحة والهادفة برنامج (افتح يا سمسم) والذي ترتبط جذوره بالتاريخ التربوي والتعليمي العربي. تقوم هذه المقالة بإطلالة تاريخية على التربية والتعليم بدءا من عصور ما قبل التاريخ، ومرورا بالعصر الإسلامي، وإلى العصر الحديث. ويتم التطرق إلى التربية بجانبيها: التربية المنزلية والتعليم المدرسي، وتُختتم بقصة توماس أديسون الذي حولته تربية الأم البيتية من تلميذ فاشل إلى عالِم أنار للبشرية الظلام.

* ~*~*~*

 

باسل يونس ذنون الخياط

 

 مقدَّمة:

التربية عنوان قديم مُتجدد في كل العصور، وتعني الرعاية والعناية في مراحل العمر الأدنى، سواء كانت هذه العناية موجّهة إلى الجانب الجسمي أم موجهة إلى الجانب الخُلقي الذي يتمثل في إكساب الطفل أساسيات قواعد السلوك ومعايير الجماعة التي ينتمي إليها، وهي تنمية الوظائف الجسميَّة والعقليَّة والخُلقيَّة كي تبلغ كمالها. وهي عملية واعية موجهة لإحداث التغيير في سلوك الأفراد والجماعات.

والتربية أداة اجتماعية للتجديد الحضاري في عملية تخريج إمكانات الأفراد في إطارهم الاجتماعي والثقافي، وتكوين اتجاهاتهم، وتوجيه نموهم، وإنماء وعيهم بالغايات التي يسعى إليها مجتمعهم.

يولد الإنسان وهو لا يعلم شيئاً كما قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (النحل:78)، وتبرز حاجة الإنسان للتعلُّم والتعليم كحاجة أساسية. وتبدأ تربية الطفل في أحضان أمه التي ترضعه، ثم تأخذ التنشئة والتربية كل ساعة في الليل والنهار.

لقد كانت التربية في الثقافات القديمة آلية تدريجية هدفها تمكين الطفل من العيش مع جماعته؛ وبذلك كانت تربية غير مقصودة، تتم بمشاركة الوالدين والأقارب. فالحاجة الطبيعية عندهم لا تدعو إلا إلى ما يُلقنه الأهل إلى أطفالهم، فيلاحظ هؤلاء الصغار من أعمال ذويهم؛ فيتعلمون ما يؤهلهم ليكونوا أعضاء مقبولين في المجتمع.

عرفت بلاد الرافدين أول مدرسة في تاريخ الإنسانية، وكانت تسمى ” بيت الألواحEdlippa “، وكانت تخص الطفولة بالاهتمام الكبير، إذ تشير النصوص الأثرية إلى أن الحضارات السومرية والآشورية والأكادية والبابلية عرفت العديد من ملامح الاهتمام بالطفولة في قوانينها، ويكفي النظر إلى قانون (حمورابي) الصادر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد ويتضمن الكثير من المضامين التربوية والحقوق القانونية لحق الطفل في الحياة، والرضاعة، والميراث، والتربية والتعليم.

وفي مصر القديمة كانت الأسرة هي المسؤولة عن تربية الطفل في سنواته الأولى، فتقوم بتنشئته اجتماعياً، وتعليمه المشي والكلام وطريقة الأكل وبعض المبادئ الدينية والخُلُقية الأخرى. وقد عرف الأطفال اللُّعَب، وكان للبنات الدُمى وللأولاد لُعَبٌ على شكل التمساح، وكان الأطفال يظلون في حضانة أسرهم حتى سن الخامسة فيدخلون المدرسة فيتعلمون مبادئ الكتابة والحساب والقراءة. وكان الفراعنة يعلمون أطفالهم الحكمة والفضيلة والطاعة عن طريق احترامهم لمعلميهم والانصياع لأوامرهم والالتزام بما يتعلمونه كي يكتسبوا القيم الخلقية والاجتماعية. وكان العقاب أمراً مألوفاً في تربية الطفل عندهم إذا ما أساء الأدب.

وفي فترة ما قبل الإسلام كان هدف التربية هو إعداد الفرد العربي للقيام بمتطلبات الحياة المعيشية، وإكسابه الخبرات في شؤون التجارة والزراعة ورعي الإبل والمواشي وفي أعمال الحرب وصناعة أدواتها والتدريب على فنونها والدفاع عن النفس.

 

ثم جاء الإسلام بمنهج حياتي متكامل للدين والدنيا ولجميع أنظمة المجتمع وجوانب شخصية الفرد المسلم، يستند على منظومة إيمانية خلقية تربوية هادفة تلازم الإنسان منذ أن كان نطفة في رحم أمه إلى أن يحين أجله ولحظة موته وخروجه من هذه الدنيا.

كثير من الآيات القرآنية تحمل في مضمونها دلالات ومعاني تربوية، منها قوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء:31)، فتدل هذه الآية الكريمة على ضرورة الاهتمام بمرحلة الطفولة وبذل المال لتنشئة الأطفال التنشئة السليمة.

وهناك الكثير من اللمحات التربوية في سيرة النبي محمد (ص) مليئة بالحنان والعطف على الأطفال وكان كثيراً ما يداعب الأطفال الصغار ويتلطف معهم. ومن التوجيهات النبوية التربوية لمرحلة الطفولة مداعبة الطفل والعطف عليه والرفق به واحترام شخصيته.

ظهرت في العصر الإسلامي بعض مظاهر أشكال التعليم الأولى، وهي الكتاتيب، وقد دعت إلى وجودها ضرورات التوسع في نشر الدين، وتعليم اللغة العربية، وانتقال حال العرب من البداوة إلى الحضر، فضلاً عن حث الدين الإسلامي على العلم والتعليم.

يذكر (ابن خلدون) في مقدمته أن ما يدرسه الصبيان يختلف من قطر إسلامي إلى قطر آخر، ولكن يلوّح أن الدراسة اشتملت على القرآن، وأحاديث الأخبار، وبعض الأحكام الدينية، والشِّعر، ومبادئ الحساب، وبعض قواعد اللغة العربية، هذا إلى جانب تعلُّم القراءة والكتابة والخط الذي كان له مدرسون مختصون.

يمكن إجمال أبعاد التصور الإسلامي للعملية التربوية في الطفولة المبكرة بما يأتي:

1- البُعد الروحي الأخلاقي: يشمل الاهتمام بالقيم السماوية ومنظومة الفضائل الحميدة التي من شأنها تعزيز نمط السلوك القويم وتعديله نحو الخيرية مع الله تعالى والمجتمع وذات الطفل.

2- البُعد التكاملي: يشتمل الاهتمام الشامل لجوانب شخصية الطفل الروحية والجسمية والاجتماعية والعقلية، فضلاً عن الموازنة بين متطلبات الحياة الدنيا والآخرة، وهذا ما افتقرت إليه تربية الطفل في كل العصور التاريخية.

3- البُعد الاجتماعي: يشتمل الاهتمام بعملية التنشئة الاجتماعية وتحقيق دينامية عمليات التفاعل بين الأطفال بما ينسجم وعادات المجتمع وتقاليده الاجتماعية.

 

التربية والتعليم في العصر الحالي:

يُعد التعليم ركناً أساسياً من أركان بناء شخصية الإنسان المتحضّر، وتولي المجتمعات المتحضّرة جلَّ اهتماماتها للتعليم.

لقد تدرجت عملية التعليم في العراق في العصر الحديث تحت ثلاثة عنوانات رئيسة: فقد أقدمت الحكومة البريطانية بعد اندلاع ثورة العشرين سنة 1920 على جعل التعليم والصحة لهما وزارة واحدة عرفت بـ(وزارة المعارف والصحة العمومية)، ثم تولّت (وزارة المعارف) شؤون التعليم في العراق، ثم تغير اسمها إلى (وزارة التربية والتعليم)، ثم إلى (وزارة التربية) لأن التربية هي حجر الأساس في عملية التعليم.

من الركائز الأساسية التي تساهم في تشكيل شخصية الطفل وتوجيهه نحو المستقبل هي الأسرة والتعليم. ومن خلالهما يتعلم القيم والمبادئ التي تُحدد سلوكه في المجتمع.

ومن خلال التربية السليمة للأسرة والمتابعة المستمرة للطفل ثم التعليم السليم والقويم يكتسب الفرد المهارات والمعرفة التي تُمكّنه من مواجهة تحديات الحياة الكثيرة.

تكون التربية عادة في جانبين: التربية المنزلية والتعليم المدرسي، وهما مرتبطان معاً دائماً.

إن حجر الأساس في التربية المنزلية هو الأم، قال حافظ إبراهيم:

 

الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراقِ

الأمّ روضٌ إن تعهَّده الحيا … بالرّيّ أورق أيّما إيراقِ

الأمّ أستاذ الأساتذة الألى … شغلت مآثرهم مدى الآفاقِ

 

وللأب أيضاً دوره الحيوي في المتابعة والمراقبة، ثم يأتي دور المدرسة في تنمية قدرات الطفل وتنميتها وصقلها وتوجيهها بالاتجاهات القويمة.

من المسائل المهمة في التربية التشجيع الذي يُحفّز الطفل ويُشعره بكيانه. ومن القصص العالمية المعروفة قصة المخترع الشهير توماس أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي وأنار العالم. لقد كان توماس أديسون طفلاً يعاني من قصور عقلي، وكان ضعف سمعه في طفولته سبباً لطرده من المدرسة لأن المناهج الدراسية وقتها كانت ترتكز على التعلم بالحفظ مع التلقين، مما جعله يشعر بالملل أثناء الحصص الدراسية، فظنه أساتذته بليداً ومتخلفاً عقلياً. سجلته والدته في مدرسة محلية يديرها قس وخالته على أمل أن يتلقى ابنها تعليماً أفضل، وكان معلموه يرون أنه لا مكان له في المدرسة، فقد كان فضوليا ينشغل بكل ما حوله وكثير الحركة ويطرح الأسئلة باستمرار، وقدروا أنه بطيء الاستيعاب وغير مؤهل للتعليم المدرسي.

وفي أحد الأيام، عاد توماس أديسون من المدرسة وأعطى أمه ورقةً وقال لها: “أعطاني معلمي هذه الورقة وقال لي أمك فقط من يقرأها. تسلّمت والدة أديسون رسالة معلم ولدها فوجدتها تتضمن طرده من المدرسة. وبعد أن قرأتها مع نفسها قررت أن تكذب على ابنها فحرَّفت معنى الرسالة وهي تنظر في عينَي ابنها المترقبتين وقالت له: “مكتوب بالرسالة: ابنكِ عبقري، وهذه المدرسة متواضعة جداً بالنسبة له.. من فضلك، علَّميه في المنزل!

لم يكتشف أديسون حقيقة فحوى الرسالة إلّا بعد وفاة أمه بفترة حين وجد الرسالة في أوراقها القديمة، فقرأها وبكى إذ اكتشف مضمونها الحقيقي: “ابنكِ مريض عقلياً ولا يمكننا السماح له بالذهاب إلى المدرسة بعد الآن.

تأثّر أديسون بما فعلته والدته فكتب في مذكراته: “توماس ألفا أديسون كان طفلاً مريضاً عقلياً، ولكن بفضل أمه البطلة أصبح عبقري القرن“.

وهكذا وبفضل تلك الكذبة البيضاء أصبح توماس أديسون عالما مجتهداً ابتكر المصباح الكهربائي الذي أنار الليل للبشرية من الظلام.

 

المصادر:

– القرآن الكريم.

  معتز زاهر، ” فلسفة التعليم المنزلي”، 2016.

– أحمد الهولي، “التعليم المنزلي”، 2018.

– لاريسّا معصراني، “كيف تربّي أطفال”، 2022.

–  د. محمد عادل التريكي، ” الأسرة والتعليم: التحديات والحلول”، 2025.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply