قراءة عقلانية في الشغف العربي للأندلس

تمثال ابن رشد في إسبانيا

ربيع الدبس

منذ صِبانا على مقاعد المدرسة في الشويفات (شارل سعد)، نما في براعمنا المتفتحة في حديقة الأدب شوقٌ أندلسيٌّ جارف إلى الموشحات المُشَكِّلة اختراقاً شِعرياً هو نتيجةُ اختراقٍ فكري-قِيَميّ، فحفظنا بعضها في ذاكرة الجمال التي اعتبرها جون كيتس في المقلب الغربي ذاكرة الحقيقة. ولما اسْتعمَقَ جيلُنا فيما بعد مرتفعاتِ التراث، بعدسات النقد الرائية، تبيّنَ له كم في ذلك التراث الموقَّر من منخفضات.

ويقيني أن الجمهور العربي، في غالبيته الرومانسية، سياسياً وثقافياً واعتقادياً، لم يدرس التراث الأندلسي دراسة استقصائية جِدية بقدر ما عُبِّئَ بأمجادٍ ما زال حتى اليوم معنيّاً باستعادتها، ولو في الفضاء الافتراضي. وقد أشار الأستاذ غسان تويني الى هذا المأزق الفكري المتناسل في محاضرة نشرها ملحق “النهار” بتاريخ 19-11-1994. وقد جاء في إحدى فقراتها التي ما زلتُ حتى اليوم أعاود الاستغراق في عصفها النقدي قولُه: “الثقافة العربية ثقافة دينية في صراع داخلي دائم مع تعدديتها الأصيلة. هي، من هذا المنظار، أسيرة مثلث تاريخي يحدّه جنوباً الحنينُ الى الشعر الجاهلي، ويحدّه شرقاً عِلمُ الكلام والتفسير، وكل الفلسفة الموروث من الاغريق عبْر النصارى. أما غرباً فتحدّه المفاخرة بالأندلس والتوق الى بعثها حية. فهل نستغرب، وحالتنا هذه، أن يعكس ما نسميه القرار السياسي اضطرابَنا الثقافي، بل تمزُّقَنا العقلي والنفسي؟”

ليس الهدف من هذا النص، على الاطلاق، تسخيف الإنجاز العربي في الأندلس، خلافاً لرأي المؤرخ الفرنسي برنار لوغان المتخصص في تاريخ القارة الافريقية، الذي زعم أن “الحقيقة التاريخية” تستلزم الاعتراف بأن السيطرة على الأندلس كانت إنجازاً أمازيغياً بامتياز، قاده أمازيغ شمال إفريقيا، وبالأخص أمازيغ الريف، لا العرب الذين لم يكن دورٌ فيه حسب ادّعائه. من هنا، أدعو القارئ الحَمِسَ للمأثور الأندلسي الى التروّي في الحماسة حتى لا يترك الاستغراق فيها وطأته على صِدقيتها.

أمنيتي، أن تتمكن هذه القراءة، المضيئة على إيجابيات وسلبيات بأمثلة غير حصرية، من تحريض القراء على النظر الى الموضوع بعدسة المراجعة المغايِرة للمألوف. فالتراث ليس مجرد نقلٍ لمدوّنات ماضية بل هو سِجِلًُ إبداعاته على مرّ العصور. ومعنى ذلك أن كثيراً مما يُنسَب الى التراث قد يكون تطفلاً على المستوى الذي تتّسم بها تراثاتُ الشعوبِ الحية القادرةِ على التمييز ما بين الإنتاج النابض بالراهنية وبين الجثة التي لا تُحَرِك ولا تتحرك. فالحق أن خلود المُبدعين في أمتهم مشروط بإسهامهم في البناء الحضاري فكراً وشعوراً وأدباً وفناً  وجمالات، ومبرر وجودهم في موكب تاريخها أنهم إضافة نوعية الى مآثرها…والواقع أن الزمن، الكفيل بغربلة الأصيل من الدخيل، يمدّنا بالمقابسة الفوسفورية للتمييز ما بين النتاج المضيء الذي ما زال فاعلاً بخميرة الزمن، وبين الآخَر الذي جفّ قبل أن يُرَى له ألق                                                                                                              

نعم، في التراث العربي القديم، بشتّى بيئاته الأندلسية والمشرقية، بوارق فكرية وشعرية ونثرية محفورة في وجدان المثقفين وذائقتهم العامة أياً تكُنْ حمولتهم المعرفية. ولا نغالي إذا اعتبرنا أنه لو لم يكن للشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب إلا دُرّته “جادك الغيث إذا الغيث همى” لكفَتْه كي تُدرَج في سِفْر الروائع. ولو سُقنا بعض الأمثلة الأخرى لَبَانَ للقارئ جوهر القصد مِن إشارتنا إلى تلك اللُُّمَع. هي ذي ولّادة بنت المستكفي، التي ارتبطت بالتراث الأندلسي قصةُ علاقتها المتعثرة بابن زيدون، تكتب في إحدى مقطوعاتها الآسِرة:

ودّعَ الصبرَ محبٌّ ودّعَكْ          ذائعٌ من سِرِّه ما اسْتودعَكْ

يا أخا البدر سناءً وسنًى          حفظ َ  الله   زماناً   أَطلَعَكْ

إنْ يَطُلْ بَعدَك لَيلِيْ فَلَكَمْ           بِتُّ أشكو قِصَرَ الليل معَكْ

أما الحُصَري القيرواني فإنّ غنائية شعره جعلَتْ مطربين كباراً يتوافدون لتأدية رائعته:

كلا، لا ذنبَ   لِمَنْ   قَتلَتْ             عيناه ولم  تَقتلْ   يدُهُ

يا من جحدَتْ عيناه دمي              وعلى  خّديهِ   تَوَرُّدُه

خداكَ قدِ اعترفا  بدمي                فعلامَ جفونُكَ تَجحَدُه؟

                —————————–

  ليس بين مرامي هذه القراءة أن تتقصّى الفن العمراني-الهندسي في مُدُن الأندلس الحواضر، ولا أن تَبحث في الإنتاج الفلسفي لأعلامها. حَسْبُنا هنا التمثُّل الفكري بمنارَتَين فَرَضَتا التأثير المنهجي بين مقاربتين: دينية ومنطقية على العالم أجمع، منذ قرون وحتى اليوم. الأول هو الفيلسوف ابن رشد الذي كان له مع الإمام الغزالي في المشرق صولاتٌ وجولات بدأها الغزالي بكتابه “تهافُت الفلاسفة” الذي ردّ عليه ابن رشد رداً مُفحِماً في كتابه “تهافُتُ التهافُت”. وقد سُمّي ابن رشد “المُعَلّم الثاني” (بعد أرسطو) خصوصاً بعد صدور كتابه القيّم “فصلُ المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، وهو الذي لم يَسْلَمْ من محاولة الأخصام تسخيف دوره باعتباره شارحاً لأرسطو فحسْب. كذلك طاوَلَه هجوم الظلاميين واضطهاد السلطة القائمة وإحراق مكتبته الفريدة. لكنه القائل إن للأفكار أجنحة تطير بها، كأنه يوحي بأن النور المُوقِظ لا بد له مِن أن ينتشر حتى بين سكان الكهوف المظلمة.

أما شيخ المتصوفين مُحيي الدين بن عربي فما زالت شذراته النّفّاذة بوصلةً فكرية وروحية، كشمس الدين التبريزي، وجلال الدين الرومي، والحلاج، والسُّهَْرَوَردي، وابن الفارض، والنِّفَّري، ورابعة العدوية، وسائر الطليعة الصوفية التي غذّتِ الإنسانية بِقُوتِ النفوس الأَبقًى من قُوتِ الأجساد. أليس هو القائل: “الزمان مكان سائل والمكان مكان متجمد”؟ والقائل: “كل شوقٍ يَسْكُن باللقاء لا يُعَوَّل عليه”؟

لقد أجرى باحثون وأدباء ونُقاد عرب رصداً مفيداً للحقبة الأندلسية، أبرزُهم المقري في مرجعه الشهير “نفْحُ الطِّيب في غصن الأندلس الرطيب”، ومنهم الخبير في الشؤون الاسبانية حسين مؤنس الذي وضع دراسة جيدة ذات جزأين عن تاريخ الأندلس. وقد سبقه محمد عنان الذي تمكن من الوصول الى مؤلفات اسبانية تاريخية خافقة بالنبض العربي في الجسد الأندلسي. كما كان لإحسان عباس كتاب “تاريخ الأدب الأندلسي-عصر الطوائف والمرابطين”. وربما أسهمَ أحمد أمين في موسوعته التاريخية بالاشارة الى أن العرب لم يكن لديهم في مراحل غير قصيرة من تاريخهم سوى الإرث الأندلسي. أما مصطفى كامل فقد وضع في مطلع القرن العشرين مسرحية “فتحُ الأندلس” لكنها لم تُصَنَّف عملاُ إبداعياً لأن صاحبها عملَ في الميدان الوطني لا الأدبي. لكن المسرحية التي توافرت فيها معايير التأليف المسرحي هي تلك التي خطّها الشاعر المهجري اللبناني-البرازيلي فوزي المعلوف بعنوان “إبن حامد أو سقوط غرناطة” التي نُشِرَتْ فصولها على حلقات في مجلة العصبة الأندلسية التي كان المعلوف- صاحبُ القصيدة الشهيرة المغزولة على نَوْل الموشحات- من أركانها. كما مُثِّلَتْ تلك المسرحية على خشبات المسارح البرازيلية، وتدور أحداثها في قصر الحمراء حول الثنائيات المُتضادّة: كالمروءة والدناءة، المحبة والضغينة. وكان انتحار الحبيبة في خاتمتها إيحاءً بانتحار المدينة الغرناطية في مأساة الصراع الدائر بين عشاقها. كما جاءت مسرحية الشاعر المصري أحمد شوقي بعنوان “أميرة الأندلس” ثمرة واضحة لامتزاجه بالحضارة الأندلسية، خصوصاُ في إشبيلية. ثم إن شاعراً مصرياُ آخرَ هو عزيز أباظة كتب أيضاً مسرحية “غروب الأندلس” عن مصير آخر ملوك الطوائف. وقد نَشَر الأديب الفرنسي البارز فرنسوا شاتوبريان رواية عن وقائع أندلسية جرى تعريبها بعنوان “آخِر بني سراج”. أما الشاعر اللبناني شكرالله الجرّ فكان يوقّع قصائده باسم “الأندلسي”. وقد تأثر معظم شعراء المهجر بنسَق الموشحات مستلهمين مضمونها التجديدي في بنْيَة الشعر. وليس لمتابعٍ مسيرة الشعر المعاصر أن ينسى قصيدتين جَسّمَ فيهما كل من عمر أبي ريشة ونزار قباني المشاعر الأندلسية المخزونة في وعي العرب وفي لاوَعيِهِم. كما كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش مُعَبراً بشغف جياش للأندلس في قصيدة “الكمنجات” التي تتفجع على زمن ضائع لن يعود. 

خاتمة

على أن الأسئلة التي أرَّقَتْني طويلاً، بوصفي باحثاً في الفكر والأدب والحضارة، هي: ماذا تمثل الأندلس لشعوبنا: مجداً إستباقياً أم فَوَاتاً حضارياً؟ مدنيةً مُحِقة أم غزواً باطلاً باسم الفتح؟ احتلالاً لشبه الجزيرة الإيبيرية أم فرصةً تاريخية لنشر ثقافةٍ أخرى؟ هروباً من إجرام العباسيين أم طموحاً “لصقر قريش” في الثأر المُتاح لبني أمية من إسبانيا بديلاً عن الثأر المتعذّر من بغداد؟ والواقع أن هذه أسئلة لا تستقيم الإجابة عليها بمنطق الهوى بل بمنطق الحقائق التاريخية الموضوعية التي لم تُحسم بعد، رغم القرون المنقضية على أفولٍ طاب للعرب أن يسمّوه شروقاً…لعل هذه المقاربة تفتح أفقاً متواضعاً في جدار الانسداد الحائل دون الانطلاق الحُر نحو عملية التقييم والتقويم. 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply