A Trip to a Lost Paradise ~ رحلة إلى الفردوس المفقود

Basil Al-Khayyat

Abstract

The civilization of Andalusia was an exceptional Islamic civilization in Europe, and it was one of the most important Islamic civilizations that arose during the Middle Ages and extended for eight centuries. It left a rich and unique legacy in various fields, and through it, many Islamic knowledges were transferred to Europe and then to the whole world.

باسل يونس ذنون الخياط

ملّخص:

حضارة الأندلس حضارة إسلامية استثنائية في أوروبا، وهي إحدى أهم الحضارات الإسلامية التي نشأت خلال العصور الوسطى وامتدت لثمانية قرون، تركت إرثًا غنيًا وفريدًا في مختلف المجالات، وانتقلت من خلالها العديد من المعارف الإسلامية إلى أوربا ثم إلى العالم أجمع.

 مقدَّمة:

 الأندلس، أو الفردوس المفقود، إقليم يقع في أوروبا الغربية بجزيرة أيبيريا ويضم حاليا إسبانيا والبرتغال، ويفصلها عن قارة إفريقيا مضيق جبل طارق. فتحها المسلمون وأقاموا فيهاثمانية قرون، وبنوا خلالها مجدا وحضارة أضاءت الطريق للنهضة الأوروبية فيما بعد، لكنهم خسروها بسبب الصراعات وحياة الترف واللهو، وكانت غرناطة آخر جواهر الأندلس التي فُقدت عام 1492م.

تؤكد معظم المصادر أن أسباب سقوط الأندلس تعود إلى انخراط حكامها في حروب لا تنتهي بينها حفاظا على السلطة والجاه، وهي حروب ونزاعات أججها خصوم المسلمين، إلى جانب الانغماس في حياة الترف واللهو، والمبالغة في الإنفاق بدل الدفاع عن الأرض التي فتحها أسلافهم.

بدأت الأندلس بالسقوط الكبير الذي أخلاها من الحكم الإسلامي والذي أنهى وجود المسلمين بالأندلس مع سقوط مدينة غرناطة، بعد حروب شنتها ممالك الشمال المسيحية على الثغور الأندلسية فيما سُمي بحروب الاستردادوالتي امتدت لما يقرب من نصف قرن، وخرج آلاف المسلمين واليهود من الأندلس باتجاه الشمال الأفريقي واستقروا بمدن عدة، فرارا من واحدة من أسوأ مجازر القتل والذبح والتعذيب في التاريخ، عرفت بمحاكم التفتيش والتي ما تزال بعض متاحف إسبانيا تحتفظ بوسائل تنفيذها.

خلّد أبو البقاء الرندي سقوط الأندلس بقصيدة شهيرة مما قاله فيها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ …

 فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ …

 مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

فجائعُ الدهرِ أنواعٌ منوعةٌ …

 وللزمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ

عبر المعابر ..

 

تُعد الأندلس أهم المعابر الثلاثة التي تمت خلالها عملية الإخصاب بين الفكر العربي الإسلامي والفكر الأوربي: المعبر الأول صقلية وجنوب ايطاليا، والمعبر الثاني مصر وبلاد الشام، والمعبر الثالث الأندلس، وهي نقطة التلاقي بين الثقافة العربية الإسلامية الزاهرة وبين العقلية الأوربية الناشئة الواقعة على الحدود.

لقد كان للأندلس دور فاعل في نقل الحضارة الإسلامية إلى أوربا في مجالات شتى. وفي مجال الرياضيات فإن الغرب مدين للحضارة الإسلامية بمعرفة الأرقام وبضمنها الصفر Zero. وكان (جربرت دي اورياك) هو أول من أخذ بالأرقام العربية {0, 1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9} وادخلها أوروبا، وبعدها ألَّف كتاب يشرح استخدام الأرقام العربية. وتبنّت أوروبا الأرقام العربية نتيجة أعمال (ليوناردو دي بيزا) الذي درس الرياضيات على يد معلم عربي في المغرب العربي، وأصدر كتاباً يشرح فيه نظام الأرقام العربية عام 1202م، وكان ذلك بداية تبني أوروبا للأرقام العربية وبداية علم الرياضيات الأوروبي.

الجبر والمستشرقون والحضارة العربية

من الرياضيين المسلمين الذين عرفتهم أوروبا وترجمت مؤلفاتهم الى اللاتينية الخوارزمي الذي اشتهر في أوروبا بكتابه (الجبر والمقابلة) الذي ترجمه الى اللاتينية (روبرت الشستري) عام 1145م، وظل هذا الكتاب يُدرس في المدارس والجامعات الأوروبية حتى القرن السادس عشر الميلادي، كما أخذ الغرب كلمة “الجبر” العربية لتصبح “Algebra”، والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص.

وقد تحدث المستشرق الإنكليزي استانلي بول في كتابه (قصة العرب في إسبانيا) الذي تناول فيه تاريخهم منذ الفتح، وحتى إخراج آخرهم منها، عن نهايتهم المأساوية فيها، إذ يقول: “الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التي تبيض بيضة من ذهب في كل يوم، فقد بقيت إسبانيا قروناً في حكم العرب وهي مركز المدنية، ومنبع الفنون والعلوم ومثابة العلماء والطلاب، ومصباح الهداية والنور، ولم تصل أي مملكة في أوروبا إلى ما يقرب منها في ثقافتها وحضارتها، ولم يبلغ عصر فرديناندوإيزابيلا القصير المتلألئ، ولا إمبراطورية شارل الخامس، الأوج الذي بلغه المسلمون في الأندلس”. 

ويضيف استانلي بول أن “حضارة العرب بقيت إلى حين خروجهم من إسبانيا وضَّاءة لامعة، ولكن ضوئها كان يشبه ضوء القمر الذي يستعير نوره من الشمس، ثم أعقب ذلك كسوف بقيت بعده إسبانيا تتعثر في الظلام، وإنا لنحس فضل العرب وعظم آثار مجدهم، حينما نرى بإسبانيا الأراضي المهجورة القاحلة، التي كانت في أيام المسلمين جنات تجري من تحتها الأنهار، تزدهر بما فيها من الكروم، والزيتون، وسنابل القمح الذهبية، وحينما نذكر تلك البلاد التي كانت في عصور العرب تموج بالعلم والعلماء، وحينما نشعر بالركود العام بعد الرفعة والازدهار”! 

من يذكر الفردوس المفقود؟

يقول الكاتب يوسف أحمد المنديل: “إذا ذكرتَ الأندلس فإنك تذكر الفردوس المفقود، البلاد التي بكى عليها الشعراء بقصائدهم، ووصـفها القائـد المـسلم في رسـالة للخليفة الأموي بأنها (شامية في طيبها وهوائها، يمنية في اعتـدالها واسـتوائها، هنديـة في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جباياتها، صينية في معادن جواهرها، عدنية في منـافع سواحلها)، وإذا ذكرت بلاد الأندلس فإنك تذكر البلاد الإسلامية العربية والبلاد الذهبية التي أحيت أوروبا بصناعاتها وتقدمها وأدبها”.

أما شاعر الطبيعة ابن خفاجة فقد خاطب أهل الأندلس قائلا: “يا أهل الأندلس لله دركم.. ماء وظل وأنهار وأشجار، ما جنة الخلد إلا في دياركم.. ولو تخيّرتُ هذا كنتُ أختار. وبعد أن فقدها أهل الإسلام رثاها الشعراء بقصائد سكبوا فيها العبرات، على غرناطة وإشبيلية وطليطلة وملقة وبلنسية ورندة ومرسية وسرقسطة، وغيرها من مدن الأندلس، والتي يحفل تراثهم فيها بمؤلفات علمائها وآرائهم وسيرهم، ولهم فيها حوادث تذكر وقصص وعِبر، ومن حب العرب للأندلس المفقود سميت أحياء سكنية في كثير من البلاد العربية بأسمائها”. 

نماذج من الشعر الأندلسي:

للشعر الأندلسي نكهته وعذوبته الخاصة، إنه يدخل الوجدان بلا استئذان  وفي هذا قال لسان الدين بن الخطيب الغرناطي الأندلسي:


جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى … 

يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ

لمْ يكُنْ وصْلُكَ إلاّ حُلُما …

في الكَرَى أو خِلسَةَ المُخْتَلِسِ

ورَوَى النّعْمانُ عنْ ماءِ السّما كيْفَ يرْوي مالِكٌ عنْ أنس

فكَساهُ الحُسْنُ ثوْباً مُعْلَما … يزْدَهي منْهُ بأبْهَى ملْبَسِ

مع ابن زيدون وولادة..

برز العديد من الشعراء في الأندلس، منهم ابن زيدون الذي عُرف بحبه لولّادة بنت المستكفي، ومن أشهر قصائده قصيدته النونية، والتي مطلعها:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا … وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا … شوقا إليكم ولا جفت مآقينا

يكاد حين تناجيكم ضمائرنا … يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لبعدكم أيامنا فغدت … سودا وكانت بكم بيضا ليالينا

ومن شعراء الأندلس ابن خفاجة الذي وصف الأندلس بالجنة:

إِنَّ لِلجَنَّةِ في الأَندَلُسِ … مُجتَلى حُسنٍ وَرَيّا نَفَسِ

فَسَنا صُبحَتِها مِن شَنَبٍ … وَدُجى ظُلمَتِها مِن لَعَسِ

فَإِذا ما هَبَّتِ الريحُ صَبّاً … صِحتُ وا شَوقي إِلى الأَندَلُسِ

وقال ابن حمديس يصف أحد قصور الأندلس:

قصرٌ لوَ أنك قد كحلتَ بنوره … أعمى لعادَ إلى المقام بصيرا

واشتقّ من معنى الحياة نسيمه … فيكادُ يُحْدِثُ للعظام نُشورا

ولوَ أن بالألوان قوبلَ حسنُهُ … ما كان شيءٌ عنده مذكورا

كما برزت في الأندلس العديد من الشاعرات اللاتي وضع على ألسنتهن،قدر لافت من روح المبادرة الشخصية من جانبهن؛ فهنّ لا يظهرن كما تُرينا هذه الأشعار، متقيّدات متخوّفات مترددات، بل نراهن يملكن الحرية في التعبير عن مشاعر الحب لديهن وإشباع هذه المشاعر. ولربما تكون أكثر الأشعار شهرة في هذا المجال المنسوبة إلى الأميرة ولّادة ابنة خليفة قرطبة المستكفي.

لقد امتازت ولّادة بالجرأة والقوة في آن، فهي تملك روح التحدي والوقوف أمام عادات وتقاليد المجتمع، ونلحظ هذه الجرأة السافرة حين تقول:

أنا والله أصلحُ للمعالي … وأمشي مِشيتي وأتيه تيهًا

وأُمكّن عاشقي من صحن خدّي … وأُعطي قبلتي من يشتهيها!

وهناك نساء أندلسيات كشفن بصراحة عن عشقهن، فهذه الجارية (أُنْس القلوب) تكشف عن عشقها لأبي المغيرة وهي تقول:

يا لقومي تعجّبوا من غزالٍ … جائرٍ في محبّتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيلٌ … فأقضي من حبّه أوطاري!

زرياب وآثاره المتعددة في الأندلس:

في الوقت الذي كانت بغداد حاضرة الدنيا ومنارة للعلم والحضارة، كان مولد أبو الحسن علي بن نافع الموصلي (789-859م)، وكان عبداً أسمر البشرة عذب الصوت، فلُقب (زرياب)؛وهو أحد أنواع الطيور السمراء ذات الصوت الجميل.

كانت بغداد في تلك الفترة مزدهرة، فهناك قصص ألف ليلةوليلة، وبيت الحكمة الذي تُرجمت فيه أهم الكتب اليونانية وغيرهاإلى العربية، ودخول الأرقام الهندية (۰،۱، ۲، ۳، ٤، ٥، ٦، ٧،۸، ۹) عن طريق الخوارزمي.

تلقى زرياب على يد مُعلمه إبراهيم الموصلي أفضل تعليم،وجعله فنانا كبيرا، وأراد أن يقدمه هدية لا تُنسى للخليفة هارون الرشيد  الذي أعجب به كثيرا، وقد سبب ذلك غيرة للمعلم الموصلي، فهدد زرياب وخيّره بين القتل أو مغادرة بغداد، فحمل زرياب أمتعته وارتحل متجها إلى القيروان ثم إلى قرطبة.

تربع زرياب على عرش الموسيقى في الأندلس، وأنشأ أول مدرسة للموسيقى في أوروبا، لتصبح قبلة لعشاق الموسيقى والذوق الرفيع. وساهم من خلال مدرسته في تحديد الأنماط والموضوعات الموسيقية والخطوات الواجب اتباعها عند حضور السفراء. 

كما يعتبر زرياب السبب في اختراع الموشح لأنه عمم طريقة الغناء على أصول النوبة، وكانت هذه الطريقة هي السبب في اختراع الموشح. كما أدخل على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة، من أهمها:

1. جعل أوتار العود خمسة بعد أن كانت أربعة.

2. أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله.

3. جعل مضراب العود من ريش النسر بدلاً من الخشب.

لم تقتصر مساهمات زرياب في الأندلس على جانبي الغناء والموسيقى، بل تعدى ذلك إلى الجانب الاجتماعي والحضاري. فقد اشتهر عنه إقامة الولائم الفخمة وتنسيقها وترتيبها، وكان ذلك كله النواة الأولى في فخامة قصور ملوك الأندلس وبيوت الأغنياء وأناقتهم.

انتقلت إيقاعات وألحان المدرسة الأندلسيّة التي نشأت في ظلّ زرياب، إلى أمريكا اللاتينيّة، حيث نقلها الموريسكيون الذين رافقوا كولومبوس في رحلة اكتشاف العالم الجديد، وتُذكرنا بها ألحان السامبا، والتشاكريرا في الأرجنتين والأوروجواي،وألحان الرقصات الشعبيّة في تشيلي، والسهول الكولومبية والفنزويلية، وألحان الرقصات الشعبية المكسيكية والكوبية، كما يشير الباحث توني إيغورا في كتابه (أصول الموسيقى الكوبيّة)، الصادر عام 1997.

زرياب والإتيكيت والموضة!

استحدث زرياب سلوكيات تتعلق بالمأكل والملبس، وأسس فنون الذوق “الاتيكيت”، وابتكر (فنون زرياب)، حيث قام بتحديد ألوان الملابس، وفقا للفصول الأربعة، وكذلك حدد قصّات الشَّعر واستحدث الغُرّة، وقد بدأ التغير من الخليفة ثم أتباعه ثم العامة. وابتكر زرياب الحلويات المعروفة (الزلابيا) والتي تسمَّت باسمه، كما علَّم أهل الأندلس الحلاقة و (قصّة الشَعر) التي لم تكن معروفة هناك من قبله. ومن الأندلس انتقلت هذه السلوكيات إلى أوربا المتخلِّفة.

تقول مانويلا كورتس أستاذة التاريخ بجامعة غرناطة في إسبانيا: “زرياب الأسطورة الكبرى في الشرق والغرب كان السفير الكبير للموسيقى الشرقية في الأندلس، فقد حمل معه كافة المعارف التي كانت تتوافر في المدرسة العباسية؛وبالأخص مدرسة بغداد؛ وكذلك المعارف الأخرى القادمة من القيروان خلال عصر عبدالرحمن الثاني”.

لقد  أنار زرياب الأندلس بحضارة بغداد وزخرفها الذي جلبه معه، وأضاف إليها تبر عبقريته، وبأنامله الساحرة تحولت الأندلس إلى حاضرة خالدة. واليوم لا يخلو شارع في غرناطة أو قرطبة أو إشبيلية من لافتة كتبت باسم “زرياب” على مقهى أو فندق أو حتى فرقة موسيقية.

ويُعد نُصب (زرياب Ziryab) من المعالم السياحية المهمة في مدينة قرطبة الإسبانية، والذي أنشأته إسبانيا عام 2013 اعتزازا بالدور الحضاري لزرياب الموصلِيّ، حيث يعلو التمثال عود وطائر أسود

ولكن بالرغم من الإنجازات الواسعة لزرياب في الأندلس، فإن بعض الكُتاب يعتبروه أحد أسباب سقوط الأندلس، حيث تعلّق الناس بالغناء والتنعم والبذخ، وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص والتعلّق باللهو والمجون وحبّ الدنيا وترك الجهاد، فكان “زرياب” هو الذي يتحمل تبعات ذلك!.

محمد إقبال والأندلس:

الدكتور محمد إقبال (1877-1938م) فيلسوف وشاعر إسلامي هندي/باكستاني حاصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج،أرسى قواعد بناء دولة باكستان، وهو الذي اختار لها اسمها،ومن الآثار التي تركها محمد إقبال على مجتمعنا أن العديد من الأشخاص في العراق سمو أبنائهم (محمد إقبال) إعجابا بتلك الشخصية المؤثرة.

كتب إقبال الأبيات الآتية على لسان طارق بن زياد وهو يستعد لاقتحام البحر إلى الأندلس، يناجي فيها الخالق العظيم، ويتحدث عن جنوده المجاهدين المتجردين، السائرين على خطى الأنبياء، همهم نيل الشهادة، لا سبْي الغواني أو سلب الخزائن:

هذي الكمـاة عبادك الأخيـارُ … حـملوا عناء العالمين وساروا

أصحاب سرِّك والسيادة طبعهم … والنور في نظــراتهم والنارُ

فعلتْ كموسى في البحار مَطِيُّهم … وتراجعتْ لخطاهـم الأنهارُ

البحر حبة خردل في كفـهـم … والعشق في أرواحهم إعصارُ

عزفـوا عن الدارين إلا أنـهم … علَمٌ على الدارين لا يـنهارُ

نيل الشهادة للموحِّد مطمـحٌ … وإذا تقــحَّم فالجراح غبارُ

لا سبْيَ غانيـة وسلْب خزانـة … ومطامح الهمم الكبارِ كبـارُ

زار محمد إقبال إسبانيا في العام 1932م بعد أن حضر مؤتمر (الدائرة المستديرة الثالث)، وألقى في مدريد محاضرة بعنوان: “العالم الفكري للإسلام وإسبانيا”، كما زار العديد من المعالم الإسلامية هناك. 

وقف إقبال أمام جامع قرطبة وقفة شاعر مؤمن ومما قاله:

لحـورية الغرب وجه جميلْ … وجنـاتها أذنتْ بالرحيلْ

على العين والقلب كُنْ ذا حذرْ … سماؤك فيها جمال القمرْ

ويتحسر إقبال على ضياع ذلك الصرح الإسلامي: فهل يعقل أن ينقطع الأذان عن تلك المنارة المهيبة التي احتضنت في ظلالها يوما قوما وحّدوا الخالق؟ وهل يعقل أن ترتفع الصلبان عليها وهي لا تزال مزينة بآيات القرآن؟ يقول إقبال مخاطبا مسجد قرطبة:

إن أرضا أنتَ فيـها … لسمـاءٌ للعيـونْ

كيف لم يسمعْ أذانًا …. أهلُها مـنذ قرونْ؟

 

وقال إقبال الأبيات الآتية أمام مسجد قرطبة، والتي يضعها النُّقَّاد بين أبرز روائع الأدب العالمي:

نسيمك عذب رقيق الهبوب … أيا جامعًا فيك جمع القلوب

أيا جامعي خُصّني بالنظر … أنا المؤمن الحق فيمن كفر

ويصف إقبال جمال الفسيفساء الإسلامية في المسجد، ويقرن بين جمالها وجمال النفوس المؤمنة:

يحـكيــك جمالًا وجـلالًا … رجـلٌ لـلـه تعـبُّده

وعلى يده لله يـــــدٌ … بلطيف القدرة تعـضُده

العالم قصـر خلافـتــه … وسماء الـعـالم معبَــده

ويورد إقبال ترجمة لأبيات عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، الذي أمضَّتْه الغربة عن بلاده، وأرهقه البين عن الأهل والأحبة، ثم أثارت نخلة غريبة كوامن نفسه فقال:

تبدَّت لنا وسْط الرصافة نخـلـةٌ … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخلِ

فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنَّوَى … وطول افتراقي عن بنيَّ وعن أهلي

 

ولا ينسى إقبال أن يكتب قصيدة وهو يودع مسجد قرطبة، فيبث فيها خلاصة أحزانه وحسرته على الماضي الضائع والحاضر البائس:

صوت المنائر في نسيمك يرقــدُ … وصداه في أرواحـنـا يـتردّدُ

يا توأم الحرم الشريف تطوَّفــت … بك رُكَّعٌ من عاكفين وسُجَّـدُ

سيماك من أثر السجود على الثرى … طرب يفوح ونضرة تتـجـددُ

خمدت حقيقتنا وزال بريقـــنا … وبريق قرطبة الشريد مُخــلَّدُ

ووقفتُ لا نومي حمدتُ ولا السُّرى … أتكبد الجرح الذي أتـكـبّدُ

 

المصادر:

– نهلة شهاب أحمد، ” الأندلس بوابة التواصل الحضاري العربي الإسلامي – الأوربي”، 2009، عمان – الأردن.

– رقية كمال الدين، “عَن أندَلُسِ كُلّ مِنَّا”، 2017.

– محمد كرد علي، “الموشحات الأندلسية وكلام شاعر الإسبان في أدب الأندلس”، 2023.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply