ذكريات سمسم الحزينة

كيف استخدم علي بابا في وصف (فرهود) الاحتلال

 علي الزّعاك

كان بارك (منتزه) السعدون واحد من أقدم الحدائق الراقية في العاصمة بغداد تم أنشائه بين عامّي 1939 و1941 في عهد أمين العاصمة وقتها أرشد العمري. وقد تم استخدام قصر قديم كبير في أحد أركانه كمقر إقليمي لأحدى منظمات الأمم المتحدة. وكان المبنى القديم الآخر الذي تشغله احدى دوائر التجنيد في الزاوية الثانية من البارك.. فيما كان هناك مبنى حديث للمركز الثقافي التابع لوزارة النفط على الجانب الآخر من الحديقة. فالنفط كان مادة يتداولها المثقفون! أما في الركن الرابع من البارك فقد قامت عيادة ومركز طبي لمعالجة العقم.

وتعود اغلب المباني السكنية الباقية والمحيطة بالبارك إلى العهد الملكي.

تمركزت اثنتان من الدبابات المحتلة عند مدخل مبنى الأمم المتحدة فيما كان طاقم الجنود الأمريكيين يحرس المبنى..  وأمام مرئي هؤلاء ظهر اللصوص من العدم ليكسروا أبواب المركز النفطي والمباني الحكومية الأخرى عند زوايا البارك وتحولوا الى عتّاله يحملون كل شيء على رؤوسهم وظهورهم بغض النظر عن أعمارهم. كانوا يحملون ما يسرقون من أثاث وأجهزة كهربائية في عربات يدوية، في سيارات، وحتى في حافلة عامة حمراء ذات طابقين كانوا قد استولوا عليها!

وكان جنود الغزو يرقبون الدراما ببراءة.

أما الأستاذ فقد كان يشاهد ما يحدث من أمام منزل شقيقه تاجر الزجاج والمطل على البارك أيضا بعد أن نقل أسرته معهم في اليوم السابق. كلاهما كانا يرقبان المأساة الوطنية لكن ليس كما كان الأربعين جنديً أمريكي يرقبان الملهاة من زاويتهم الاستعمارية.

مرت امرأة مسنة تحمل أثاثاً مسروقاً على كتفها وقالت:

 (لا تنظر إلي، لست وحدي!)

وعنما واجه الأستاذ أحد الناهبين قال إن (الملا فلان) أعلن أن ذلك جائز شرعاً. ولم يكن ذلك صحيحا إلاّ ضمن نطاق محدود. فقد بدأت معظم المساجد تنصح أثناء الصلاة وتنادي عبر مكبرات الصوت أن النهب والفرهود مخالف لأحكام الدين الإسلامي. إنه أمر مخز ويجب إعادة كل ما تم أخذه. لكن في النهاية كانت اليد الطولى في هذا الصدام الأخلاقي لصغار الملالي.

تلك كانت مسرحية أخرى اخرقها أو رعاها الغزاة فقد كان جنود الاحتلال يضحكون على مشاهد السرقة ويكررون صياحهم عن بعد (علي بابا. علي بابا) وربما كان الأربعون جندي على حق فقد كان ينقصهم علي بابا ضمن سحابة الغبار التي حملتهم.

*****

فى احدى قصص الليالي العربية كان علي بابا يحطب في الغابة وكان قد قطع ما يكفي لتحميل حماره حين رأى سحابة من الغبار تسببها خيول قادمة من بعيد وخمن أن تلك قوه من قطاع الطرق واللصوص فقرر أن يترك حماره ويحتمي بشجرة مغروسة على صخرة عالية، كانت أغصانها سميكة بما يكفي لإخفائه ومع ذلك مكنته من رؤية الأرض تحته.

وصل اللصوص المسلحون (الأربعون) إلى أسفل الشجرة والصخرة وترجلوا من خيولهم ثم قاموا بأنزال ما حملوه من الحقائب التي بدت الى علي بابا من خلال وزنها أنها مليئة بالذهب والفضة. فحبس أنفاسه حين تقدم قائدهم تحت الشجرة التي كان يختبئ فيها، وفتحممرا عبر بعض الشجيرات المتشابكة ليظهر باب صخري مخفي ثم نادى: (افتح يا سمسم!)

فُتح الباب الصخري. وبعد أن امر رجاله بحمل غنائمهم والدخول أمامه تبعهم الى داخل الكهف وعندها أُغلق الباب من تلقاء نفسه.

انتظرهم علي بابا حتى خروجهم ومغادرتهم المكان من دون أحمالهم. عندها نزل الى باب الكهف فصاح به (افتح يا سمسم!).. ويمكن توقع باقي القصة فقد حمل ما امكنه من غنائمهم وانطلق يسابق الريح بحماره.

*****

تذكر الأستاذ هذه القصة وهو يعلم أن بعض الزيوت العضوية ومنها زيت السمسم يستخدم لوقاية الحبوب المخزونة من التسوس وقارن الأسطورة بالذهب الأسود وهو الزيت اللاعضوية الذي يسمونه نفط أو بترول. كانت المنشأة العامة الوحيدة التي حماها الاحتلال هي وزارة الذهب الأسود لبلاد الرافدين وليس المؤسسات الصحية أو الخدمية الأخرى التي تُركت عارية لمصيرها من الحرق والتدمير النهب والسلب. فلقد تعرض مثلا المتحف الوطني العراقي الشهير وكذلك مركز الفنون في العاصمة للنهب الشامل تحت أنظار قوات الاحتلال.

احتوى المتحف على مقتنيات ثمينة جدا تمثل بلاد ما بين النهرين القديمة المعروفة بالميسوبوتيميا وأرض السومريين وبابل والآشوريين والأكاديين فقد كانت سومر على سبيل المثال أقدم مدنية معروفة في التاريخ مما جعل أرضها مهدا للحضارة. وكذلك كانت بابل مركز لثقافة بلاد ما بين النهرين لما يقرب من ألفي عام، وأنشأ أحد حكامها الأوائل، حمورابي، أول نظام قانوني في العالم. ومع ذلك، فإن مسلةقوانين حمورابي المكتوبة قد سُرقت أيضًا من المتحف، بما في ذلك قانونها السادس:

 (إذا سرق شخص ممتلكات هيكل أو دار، فإنه يُقتل، وأيضًا من أخذ منه المسروقات يُقتل).

ولقد أصبح تدمير تاريخ البلاد منهجا ولامبالاة من قوات الاحتلال التي تسببت بأضرار فادحة ولوثت بقايا مدينة بابل الأثرية وحدائقها المعلقة إذ استخدموا العديد من هذه المواقع كمستودعات عسكرية على الرغم من نداءات علماء الآثار والمنظمات الدولية لحمايتها من السرقة أو التخريب.

مع سقوط بابل وكل بلاد ما بين النهرين، لم يغرق في نهرها أحد ولم ينوح قبالتها أحد.. فلقد كان في بعض الأمر ثارا لأسرهم التاريخي في الأرض الغريبة.

*****

كتبت الشاعرة الأمريكية (كيلي غروم – Kelle Groom) في قصيدتها (أقدم خريطة في العالم):

(أتيت من خلال الجهة الأخرى.. وأنا أضحك

الجيش يبني مهبط للطائرات العمودية ومواقف للسيارات

في ما كان سابقًا إحدى العجائب السبع،

وهنا وجدنا أول خريطة للعالم مصنوعة من الطين

صغيره جدًا، تناسب راحة اليد.. وفية

نهر الفرات يفرغ في معصمك،

وفي شمالها يحجب ظل أصابعك هياكل الجبال).

لعدة أسابيع، كان هذا هو المشهد الحزين. تدمير ونهب جغرافية البلاد وتاريخها. نهب السراق حتى العيادات والمراكز الطبية الحكومية التي كانوا يعالجون أطفالهم فيها مجانا وشوهد بعضهم يدفعون أسرة المستشفيات في الشوارع محمله بالأجهزة الطبية.

هل يمكن لأي شخص في العالم أن يتخيل لصوصاً يسحبون مدافع كبيره بعيدة المدى ومدافع مضادة للطائرات متجهين بها شمالاً دون أن توقفهم دوريات الاحتلال؟

 ولم يقف الأمر عند ذلك فقد ورافق حملة النهب والفرهود إحراق مباني كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية حيث بدت مناطق وسط العاصمة التاريخية وكأنها تختفي في الدخان.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply