نحن نعيش في عالَم أكثر حساسيَّة

نحن نعيش في عالَم أكثر حساسيَّة1https://www.scienceshumaines.com/georges-vigarello-nous-vivons-dans-un-monde-plus-sensible_fr_45123.html

حوار مع: جورج فيجاريلو  George Vigarello

أجرى الحوار الصحفي في مجلة ثقافة فرنسا France Culture: توم امبنستوك Tom Umbenstock

ترجمة: أسماء كريم

جورج فيجاريلو، مؤرخ فرنسي، ولد في موناكو عام 1941. متخصص في تاريخ النظافة والصحةوممارسات الجسم وتمثيلاته. عمل مديرا للدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلومالاجتماعية، كما شغل منصب مدير مساعد في مركز إدغار موران

يشكّك الـمُؤرِّخ المتخصص في تمثيلات الجسد والعلاقة الحميميَّة في عالَـميَّة المشاعر، فوفقاً للفترات التاريخيَّة يتم تثمين بعضها والبعض الآخر لا يتم تثمينه.

الفرح، والغضب، والخوف، والحزن، والاشمئزاز…هل كانت هناك دائماً مشاعر كما نعرفها اليوم؟

في بعض الجوانب، نعم. منذ العصور القديمة، صوَّرت القصص التعبير التلقائي عن العواطف، العنيفة في بعض الأحيان، والتي ما زالت تتحدَّث إلينا. على سبيل المثال: حداد أشيل Achille: يتدحرج في التراب ويُقطِّع شعره عند وفاة هيكتور Hector، ويشهد غضب زيوس Zeus أو الأفراح الكبيرة إزاء النجاحات في الألعاب الأولمبيَّة على هذا الفيض من المشاعر.

لم تظهر كلمة “العاطفة” إلَّا في القرن السَّادس عشر على الرّغم من أنَّه قبل ذلك كانت هناك كلمات قريبة منها مثل فعل “أثَّر” منذ العصر الوسيط. لكن كانت له معان أخرى لا سيَّما وصف الحركة. على سبيل المثال: عندما تحدَّث جون دي جوينفيل Jean de Joinville عن سان لويس Saint Louis، قال: “تمَّ نقله من أنطاكية إلى القدس”. 

ثم هناك تعميق للظاهرة النَّفسيَّة. لقد أفسح هذا المصطلح المجال للجانب الباطني. وفي نهاية العصر الوسيط يمكننا أن نقرأ أنَّ مثل هذا الرَّجل “تأثَّر لرُؤيتنا” فيما يتعلَّق بامرأة، مما يعني أنَّه عانى من صدمة نفسيَّة أكثر من مجرَّد ظاهرة إزاحة ميكانيكيَّة بسيطة.

اليوم، بالمعنى الدَّقيق للكلمة، يُعرَّف مصطلح “عاطفة” أنَّه الصَّدمة المفاجئة حيال ظاهرة معيَّنة. إنَّها تغزو الفرد فجأة وتخترقه وتسبب حتى الذُّهول والغزو الشَّامل. لتكوين تاريخ من المشاعر، سنتحدَّث بدلاً من ذلك عن الصَّدى الذي أحدثته هذه الصَّدمة على الأفراد، مثلاً مع فكرة الصَّدمة التي ظهرت في القرن التاسع عشر.

توم امبنستوك Tom Umbenstock: كيف يمكن تتبّع تاريخ العواطف وتطوّرها؟

جورج فيجاريلو  George Vigarello: بالنسبة للمؤرِّخين، من الصَّعب جدّاً العثور على شكل ما عانى منه أولئك من الماضي في دواخلهم، وعلى شدَّته. يمكن لمحتوى عواطفهم أن يفلت منَّا لأنَّه لا توجد دائماً آثار مكتوبة للمشاعر. ومع ذلك، فقد تمكَّنا من تحديد التَّحوّلات الرَّئيسيَّة للعمليَّة العاطفيَّة في التاريخ، مما يجعل من الصَّعب مقارنة تجاربنا مع تجاربهم. لذلك فإنَّ العواطف ليست ثابتة وعالميَّة.

أوَّلاً، يمكن أن يصل معنى العواطف، مع مرور الوقت، إلى حدّ نقيضها. ففي اليونان القديمة، كان يُنْظَر إلى غضب زيوس على أنَّه مشروع بل ضروري. واليوم، لا تُدعِّم الديمقراطيَّة حقيقة أنَّ القائد يمكن أن يتصرَّف بطريقة غاضبة تجاه المواطن. لذلك يمكن أنْ تتغيَّر قيمة المشاعر.

علاوة على ذلك، تمَّ إثراء الطَّيف العاطفي تدريجيّاً. كان فارس العصور الوسطى متحمِّساً للحرب، وكان بإمكانه أيضاً تذوّق الرَّقص أو التأثّر بظواهر الحب. وفي وقت لاحق، توسّع المشهد العاطفي لـمُحارب المجتمع الكلاسيكي بشكلٍ ملحوظ، بحيث ازدهر هذا الأخير في الرَّقص وفي الموسيقى والشّعر والرّواية. إنَّه يستوعب عواطفه، وينخرط في الـمُنظَّمات وفي الحسابات وأنظمة الارتباط بين مجموعات الحاشيَّة. وبمرور الوقت، تدخلُ الظاهرة العاطفيَّة، بشكلٍ غير محسوس، في عمليَّات التَّحكّم والتَّعبير الـمُلَطَّف. وما يزداد أهمّية حقيقة أنَّ الذات تعرف كيف تتحكَّم في نفسها، ولا تدعُ نفسها تتجاوز الحدود أو تمارس الغزو. والتَّحليل النفسي مثال رائع على ذلك.

هل هذا يعني أنَّ الفرد المعاصر يركّز أكثر على عالـمه العاطفي، الأكثر ثراءً مما كان عليه في الماضي؟

جورج فيجاريلو  George Vigarello: اليوم، يمنح الفرد نفسه مساحة أكبر، ويسمح بتجربة ما يمكن أنْ يقدّمه له العالـم. فالمناظر الطَّبيعيَّة، على سبيل المثال، أكثر إثارة له. عندما وصل الغزاة إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي كان من الواضح أنَّهم مهتمّون بالمناظر الطَّبيعيَّة، ووجدوها جميلة للغاية. في المرحلة الرّومانسيَّة، نشأت فكرة أنَّ المناظر الطَّبيعيَّة يمكن أن تثري داخلك ويتردَّد صداها مع ما أنت عليه. وفي كتب المنطق، وهي أسلاف اليوميّات، لا يوجد أي ذكر للكون العاطفي. إنَّها ببساطة تقدّم الحقائق: كان هناك زلزال، ومات فلان، وما إلى ذلك.

في وقت لاحق، أعطت اليوميّات مجالاً متزايداً لأسئلة مثل “بمَ أشعر؟”. ويمكننا القول إنَّ “الألم الذي كنتُ أعاني منه كان لا يُطاق”. فيوميّات أوائل القرن التاسع عشر هي مواجهات مع الذَّات، ولا يُقصَد منها نشرها. قال المثقف والروائي السّياسي، بنيامين كونستانت Benjamin Constant، إنَّه إذا قرأ شخص ما مذكّراته، فسيعتقد أنَّه مجنون.

تصبح المشاعر أكثر استيعاباً وأقلّ وضوحاً في الوقت ذاته الذي يزداد فيها حجمها. ويمكننا أنْ نرى هذا من خلال تطوّر الـحُبّ الأبَويّ الذي وصفه الـمؤرّخ فليب أرييس Philippe Ariès. في عصر النَّهضة، قال مونتين Montaigne إنَّه فقد طفلين أو ثلاثة في الحضانة، بحُزْنٍ، ولكن دون الكثير من السُّخط؛ كما لو أنَّ موتَ الطِّفْل تسبَّب في عاطفة لم تكُن صَدْمَةً. في حين، بعد ثلاثة قرون، مات الأب كوريو Goriot من الحبّ لبناته. ومع ذلك، فإنَّ شخصيَّة بلزاك هذه لا تريد إظهار ذلك. فبِالْكَاد تَظهر عواطفه في الهالات السَّوداء لعينيه، وفي حَقْن حدَقَتَيْ عَيْنيْه، وفي إيماءاته وصمته. وهذه ليست الطريقة التي تظهر بها في العصور القديمة أو في عصر النَّهضة.

كيف يمكن وَصْفُ الفترة الحاليَّة؟

جورج فيجاريلو  George Vigarello: لقد زادت حساسيّتنا، كما يتَّضح من تغيُّر موقفنا من الاغتصاب على سبيل المثال. فنظراً لزيادة اهتمامنا بالعواطف يصبح هذا الفعل أكثر إثارة للقلق وأكثر وقاحة. فلوقت طويل، لم تؤخذ الضَّحية بعين الاعتبار. وفي زمن الثَّورة، حلَّت كلمة “الاغتصاب” محلَّ مصطلح آخر أظهر الأهميَّة الكبيرة لأقارب الضَّحيَّة: “الاختطاف العنيف”. فالقانون ذاته أخذ بعين الاعتبار، بشكل متزايد، ما لم يكن موجوداً من قبل في نظر علماء القانون: الخوف والمفاجأة. تظلّ الحقيقة أنَّ الكثير من حالات الاغتصاب ما تزال اليوم غير مُسَجَّلة أو غير مُدَانَة، وأنَّنا ما زلنا بعيدين جدّاً عن الوَضْع الذي يجعل من الممكن كبح هذا النَّوع من السُّلوك.

وتتجلى هذه الحساسيَّة المتزايدة للعنف أيضاً في اختفاء مشهد الحكم بالإعدام. لقد كان مشهداً حقيقياً تقليديّاً، ونوعاً من الرّضا في رؤية الجريمة تُعَاقَب أخيراً. وأفضل مثال على ذلك إعدام داميان Damien عام 1757؛ حيث كان النَّاس يتصارعون ليكونوا على النَّوافذ ويروا إبعاد هذا الرَّجل الذي ارتكب هجوماً ضدَّ لويس الخامس عشر. منذ القرن العشرين، دُفِنت المقصلة داخل السّجن ولم تعد تظهر. واليوم صارت ممنوعة.

هل هناك اليوم عواطف تهيمن أكثر مما كانت عليه في الماضي؟

جورج فيجاريلو  George Vigarello: في الـمُجلَّد الثالث من تاريخ العواطف/ Histoire des émotions، يستحضر عالِـم الأنثروبولوجيا جون جاك كورتين Jean-Jacques Courtine عصر القلق هذا الذي سيكون عصرنا ويشرح ذلك بظهور عالَـم لا يمكن السَّيطرة عليه بشكل جيّد، وهو ما يثير القلق أكثر من أيّ وقت مضى لأنَّ الفَردِيَّة تزيد من شعورنا بعدم الحماية؛ فكلَّما زاد عدد الأشخاص الذين أصبحوا فرديّين، زاد شعورهم بالهشاشة. علاوة على ذلك، ليس من قبيل المصادفَة أن تصبح أنظمة الأمن والإغلاق والتَّرميز أكثر بروزاً بشكلٍ متزايد.

لقد أصبحت الظواهر العاطفيَّة الأخرى مثل الشّعور بالذَّنب أكثر أهميَّة مما كانت عليه من قبل. وفي كثير من الأحيان نسأل أنفسنا: “هل كنت مفرطاً؟” أو “هل فعلتُ الصَّواب أو الخطأ؟”

إذاً، هل يمكننا أن نتخيَّل فهماً كاملاً لِـحُزن لوحة عمرها 300سنة أو نصٍّ عمره ألف سنة؟

جورج فيجاريلو  George Vigarello: لا يملك الـمُؤرِّخ الحقائق التي تسمح له بالدخول في تعاطف تام مع عمل قديم. لكن يمكننا الاقتراب منه. لنأخذ على سبيل المثال تاريخ النظافة. فمعاييرنا المعاصرة ترى أنَّ النظافة لا يمكن الحصول عليها بدون ماء، ومع ذلك، ولوقت طويل، فضَّل أسلافنا، ليبقوا نظيفين، تغيير الملابس أكثر من مرَّة بدلاً من استخدام الماء. وغير بعيد عن حساسيَّتنا الخاصَّة لا يمكن للتَّاريخ أنْ يلتقط المشاعر والعواطف الماضية.

* الحِوار الفرنسي:

https://www.scienceshumaines.com/georges-vigarello-nous-vivons-dans-un-monde-plus-sensible_fr_45123.html

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply