عسلٌ وطين 

نادية عبدالوهاب خوندنة

تساورني بعض زخّات من قلق لذيذ كلما فكرت في قرب إنتهاء شهر العسل وبدء حياتي الزوجية مع رفيق العمر الذي أختاره قلبي وأيده عقلي وباركه أهلي، وربما كان ذلك شعوراً طبيعياً، فكنت ألوم نفسي بشدة وأؤنبها على مجرد حمل الهم بتلك الطريقة الصبيانية.. كنت متفائلة بدوام حبنا واستمرار زواجنا لعمر مديد إن شاء الله حتى لا يفرقنا شيء سوى القدر المحتوم، وكيف لا يملأني كل ذاك الإيمان بالديمومة والرسوخ وشواهد التاريخ حولي تهمس تارة، وتصرخ تارة، وتبكي بصمت دموعاً مريرة، أن أجداد لنا عمرّوا وأسسَّوا حضارة أينعت هنا لقرون عديدة في أجواء عبقت عدلاً وتسامحاً  وتعايشاً بين الأديان كمثال أنثروبولوجي يندر ويصعب تكراره، وكيف لا آمل بدوام حب كبير وهنا مسرح أحداث قصص الحب الخالدة بين ولاّدة وابن زيدون، وإعتماد  والمعتمد بن عباد العاشق الذي اختار قرباً في الروح والجسم والإسم. 

ها أنا ذا ألملم بحبور كبير التذكارات التي أشتراها لي عريسي من كل مدينة أندلسية أقمنا بها فهو لم يدخر أبدا جهداً لإسعادي، بدءاً من موافقته بكل أريحية لأن تكون وجهتنا لقضاء شهر العسل هي أقليم الأندلس في الجنوب الأسباني، رغم ارتفاع درجات الحرارة في شهور الصيف ولكن ذلك كان متناسباً مع حرارة مشاعرنا فحرصنا أن تكون زيارتنا ممتدة بين منتصف شهري يونية ويولية لنتمكن من التمتع بالأنشطة السياحية الصيفية بدءاً بقرطبة الرابضة بشموخ على الوادي الكبير.

 لففت بكل حرص ورِقَّة مجسم المسجد الكبير بمنارته المشهورة التي يقال أن المؤذنين كانوا يصعدون إليها كفرسان نبلاء على صهوة أجود الخيول العربية، وحينما شرعت في تجهيز تذكارات غرناطة آخر معاقل العز والكرامة، طفقت دموعي تهطل على اللفائف الورقية التي حرصت بكل عناية أن تحيط  بمجسم قصراء الحمراء  بكل بهائه وفرادته ونقوشه المنمنة الدقيقة كأثر خالد لا يبلى ولم أنس بالطبع بوسترات باحة الأسود ومدينة الزهراء، ومجسمات الرمان والبرتقال والتي تمنيت لو ملأت تجاويفها بأريج أزهارها الفواحة فأعيش ما صاحبها من ذكريات سعيدة كلما رأيتها وتضوع عطرها. 

سبحان مقلب القلوب، نسيت الحنين والأطلال وغمرتني بهجة يخالطها شعور لذيذ بالشقاوة وكأنني أقوم بمغامرة جريئة، حينما لبِست فستان الفلامنكو الأحمر بكرانيشه الكثيرة والمثيرة، وتغطيه نقاط البولكا البيضاء كبدور متوهجة في ليلة التمام.

 أسدلت الشال ذي التطريز اليدوي المتقن بنعومة فائقة على كتفيّ، وكادت الصورة أن تكتمل حينما فردت المروحة اليدوية، كذيل طاووس ساحر بغازل أنثاه، أنبسطت أمامي على أديمها المحلى بالدانتيل الرقيق، معالم المدن الأندلسية الساحرة قرطبة وأشبيلية وغرناطة، تغريني بتمديد إقامتنا وزيادة أيام شهر العسل والهناء.. وإن لم يكن زوجي الحبيب قد سبقني إلى النوم، لأطلقت العنان لأصابعي تعبث بمرح شابة قلبها مملوء بالحب والسعادة وبالها لازال صحواً من غيمات الهموم، بالصناجتين الخشبيتين اللتين اشتريتهما ذات غروب ساحر من ساحة البيازين. 

نظرت إلى المرآة فأبهجني كثيراً ما رأيت، ووددت أن أجعل المشهد الذي أمامي مثالياً، وأوحت لي دوائر البولكا بأن ألبس عقدي اللؤلؤي الأثير وهو هدية ثمينة، غالية على قلبي، أهداه لي جدي الحبيب رحمه الله من آخر رحلة تجارية له إلى اليابان وغدا لا يفارق جيدي إلاّ نادراً، ولكني للأسف لم أجده رغم بحثي عنه في كل الزوايا والأماكن المحتملة وغير المحتملة، ولكن أنهكني البحث بلا فائدة، فانتهت بروفة فستان الفلامنكو ببكاء العارضة بصمت مقهور، ولكن صوت النحيب الداخلي كان أعلى وأكثر إنطلاقاً  كالمواويل الشجية في الموشحات الأندلسية.

ما تخيلت أبداً أن تكون آخر الرحلة الجميلة وأن تنهي آخر ليلة لنا في أشبيلية على مثل بمثل هذه النهاية الحزينة، فنمت ولايزال في قلبي نور الأمل متقداً بعودة ضالتي إليّ غداً بحول الله برغم قول الشاعر “ما أقرب اليأس من رجائي وأبعد الصبر من بكائي”!! 

 أيقظتني بعد سويعات لا أعرف عددها، أيد عديدة لأنظر لبعض النسوة المنعمات الأنيقات تدعونني لأذهب معهن، لم أكن لأملك أي خيار، سرت كالمسحورة معهن، فأخذنني على صهوة جياد أسطورية مجنحة، أسرعت بنا لننضم إلى مجموعة كبيرة من الجوار الحسان يحطن بمولاتهن الجميلة التي اشتهت يوماً أن تلهو وتلعب بالطين وكأن الإنسان مهما علت مكانته ونال كل ما أشتهى من قلوب محبة وثروة وقوة، لا يزال يهفو قلبه لينال لحظات هنية يشع بريقها من عيون البسطاء مثل تلك النسوة القرويات التي رأتهن الأميرة يلهون بالطين ويمرحن مرحاً كبيراً، فتمنت أن تلهو مع صويحباتها مثلهن بكل انطلاق ومرح.

ولكن أين ذاك الطين من هذا، الذي عجن بالمسك والكافور وأجود أنواع الطيب، فتغيرت طريقة اللعب به أيضاً، فكانت هنا أشبه بقناع من حناء فواحة، ممسد على الوجوه الناعمة والنحور المضيئة والأذرع البضة… وفجأة توقف صخب اللعب بشهقة تعجب وفرح حين اصطدمت أصابع الأميرة بجسم غريب في عجينة الطين، وحين سطع بياض الجرم وسط قتامة الطين، تبين أنه عدة حبات من اللؤلؤ المنضود فأخذت بكل حماس ونشوة بالهدية المخبأة، تسحب وتسحب وسط دهشة الحاضرات وتعجبهن – وبالتأكيد غيرة بعضهن- حتى أكتمل عقداً جميلاً لم ير في مثل طوله قط، لفته لها الجواري حول جيدها المرمري عدة طبقات وسط صيحات من بهجة وسرور.   

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply