لا تَهِشُّ عَلَى غَنَمَاتِهَا، بل تمشي بينها؛ وهي مِن حَوْلِهَا طائعةٌ تابعةٌ؛ بدتْ كملكةٍ مُحاطةٍ بكتيبةٍ مِن حُرَّاسِها الأوفياء.. تتكئُ على عصا غليظةٍ، ولا يظهر منها سوى بعضٌ من وجهِها الأسمر المُحمرّ غائر التجاعيد؛ الكثيرُ من الملابس والأقمشةِ تُغطّيها من قمة رأسِها وحتى قدميْها، الرائي لها من بعيدٍ يظنُّها خيمةً صغيرةً تتحرَّك ببطءٍ مع عمودها، تسقطُ مِن خلفها آثارُ قدميْها وحوافرهم، لتمتصّها الرِّمال السَّاخنة. تُغنّي طوال المسير، تتبعها خرافُها مسحورةً بصوتِها الغجري العتيق، كأنه صوتُ الرِّيح: أجوف وعميقٌ، بعيدٌ وقريبٌ، عجوزٌ وبريءٌ..
“مِيته تعود يا الحبيب الغالي.. مِيته؟..
هلا نسيت الطريق ولا نسيت الغوالي.. ميته؟
يا زين، يا لطلة البهية.. يا ابني..
يا عين قلبي وروحي الشقية.. يا ابني
ميته تعود يا أمير الدار؟
لنشيلك ع الرأس وتنقاد من تاني النار
كريم ولد الكرام.. سيدي كبير المقام..
فارس على خيله.. ينشق ليه الغمام
ميته تعود يا الحبيب الغالي.. ميته
ميته تعود يا أمير الدار.. ميته”.
تظلُّ هكذا تُغنِّي وتبوح، فلا ينقطع نواحُها ولا ينتهي الطريق، تُكرِّر كلماتِها منغَّمةً، عويلٌ على مفقودٍ عزيزٍ، لا يرتعشُ صوتُها لكنه هو الحزن ذاته؛ لا تبكي لكن نغماتِها تُبكي وتُؤلم.. خِرافها تسيرُ معها مطَأطَئة الرؤوس بهيبةٍ، احترامًا لسيرة الحبيب الغائبِ..
ثم، كما ظهرت من الضباب تختفي في الضباب، عابرةً وخرافها من فوق السَّراب، ولا يبقى إلا صوتُها الغجري تتناوب صداه جدرانُ الجبال وحبّات الرّمال، فلا يفنى ولا يختفي.. ولا يُنسى.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
