رغم توقها للانتهاء سريعاً لتعود لمتعة القراءة، انهمكت سهام في مساعدة والدتها السيدة عواطف، بهمة ونشاط في إعداد فراش النوم للضيفين الحاج سعيد وزوجته الحاجة نعمة، المتوقع وصولهما مساء ذاك اليوم المبارك، الثاني عشر من شهر ربيع الأول، بعد الانتهاء من صلاة العشاء في المسجد النبوي، وتلبية لطلب والدها، وطبعاً طلبات الزوج العزيز لدى السيدة عواطف، أوامر تلبيها بحب كبير٠ أُعطيت للضيفين أكبر حجرات البيت وأكثرها فخامة، كيف لا وهي المجلس الذي يضم الكرويتات المصنوعة من أحسن أنواع الخشب الجاوي، وعليها الطوالاّت المحشوة بقطن الطِرف الغالي، المغطاة بأناقة هي والسجاني المتدلية على الكرويتات، ومساند الظهر بقماش القطيفة الحمراء الكلاسيكية الفاخرة، المشهورة بأم طير، و يا له من إسم رقيق، يتماشى مع نعومة القماش، وربما لو كان إسمه “الحبيبان” أو أي تسمية أخرى تدل على الحب والهيام لكان مناسباً أكثر، فلم يكون هناك صورة طائر واحد فقط، بل اثنان متقابلان يتبادلان المناجاة و الأسرار التي يودعها الضيوف في المجلس ويرحلون.
“أظن يا ماما أن الحاج سعيد أجمل من الحاجة نعمة!”
باغتت طفلة الثانية عشرة والدتها بهذا التعليق البريء، وهو في الواقع أمر حقيقي، فكان أسرع رد لديها:
“الجمال يا حبيبتي جمال الروح، والحاجة نعمة قمة في الأخلاق”.
ومع ضحكات السعادة والانسجام بين الأم وابنتها، أصبح المجلس جاهزاً لاستقبال الضيفين الزائرين من مصر، وقد ربطت صداقة قوية بين العائلتين بعد تعارف رجل الأعمال الحاج سعيد ووالد سهام السيد عارف أحد كبار تجار الأقمشة في المدينة المنورة، تعارفاً ميموناً في الروضة الشريفة قبل سنتين، وأصبحت هذه الاستضافة من طقوس ومراسيم الزيارة النبوية، والتي كانت تبث دوماً جواً من البهجة ودفقاً من التجديد في نهر الحياة اليومية لعائلة السيد عارف.
مضت أيام الزيارة الثلاثة بسرعة وقد كان والدا سهام يبذلان جهدهما لإكرام الضيفين سواء في البيت بحسن وفادتهما ليشعرا أنهما في منزلهما الثاني أو بتجهيز هدايا العودة من تمور المدينة، المباركة واللذيذة، وقِطع الأقمشة المتنوعة لجميع أفراد العائلة، أو في الجولات الخارجية في المزارات الشريفة والبساتين الغناء التي تشتهر بها طيبة الطيبة.
لم يفت سهام بقوة ملاحظتها أن والدتها السيدة عواطف كانت في عدة مرات، تهمس في أذن ضيفتها، وبالذات كلما أحمرّ أنفها وتساقطت بعض الدموع من عينيها، حديثاً لا يسمعه أحد ولا حتى سهام رغم تواجدها القريب من والدتها و قد ارتفع ترمومتر فضولها الزائد، فتحاول بذكائها الفطري أن تحلل وتستنج كما يحلو لها، فتتخيل أن الحاجة نعمة التي بدت حزينة معظم الوقت ربما كانت تتشكى لوالدتها من قسوة زوجها الوسيم، مثلما تفعل خالتها سميحة في كل مرة تجتمع فيها الأختان المتشابهتان جمالاً وحسناً والمختلفتان في نصيبهما من حب الزوج وعاطفته وحنانه، أو ربما كان الحاج سعيد مقتراً في الانفاق على الحاجة نعمة مثل زوج جارتهم الجديدة. المهم أن أم سهام تنجح في كل مرة في التربيت بهمساتها المُطْمئِنةِ على قلب الضيفة، التي لا تلبث بعدها أن تمسح وجنتيها بيديها المزينتين بخواتم ذهبية جميلة، مرددة: ” الحمد لله، الحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه”.
مع هلال شهر شعبان ظهرت نتائج الاختبارات وكانت فرحة والديّ سهام عارمة بتفوق ابنتهما، فقررا أن تكون مكافأتها رحلة عائلية إلى أرض الكنانة لقضاء الإجازة الصيفية، ولطالما ألحّ عليهما الحاج سعيد بِرَّدِ الزيارة ليتمكن وزوجته من إكرامهما بالمثل، ولكن فضّل السيد عارف الإقامة في فندق لارتباطهم ببرنامج سياحي حافل، وقبل هو وزوجته دعوة كريمة لتناول الغداء مباشرة ثاني يوم من الوصول للقاهرة.
في ضحى يوم اللقاء انتابت السيدة عواطف نوبة من صداع الشقيقة، واضطرت تحت مطارق الألم الشديد إلى عدم الذهاب مع زوجها وابنتها التي التصقت بها ولاذت بحضنها ولم ترد تركها لوحدها، ولكن كلمات أمها – كعادتها- تهب كنسيم رقيق وبلسم شاف:
“استمتعي برفقة أبيك، واستمتعي بوقتك، ولا تحملي همي، بالتأكيد سأنام نوماً عميقاً حين يبدأ المسكن القوي عمله”.
في الساعة الواحدة والنصف وهو الوقت المحدد تماماً من صاحب الدعوة، وصلت سهام ووالدها إلى الفيلا الكبيرة، منزل الحاج سعيد، ورغم قيظ الصيف وحرارة الظهيرة نسنس الهواء وترقق برذاذ ماء النافورة في وسط الفناء الواسع، وقد تدفق ماؤها بجرس موسيقي لطيف من أفواه ثلاث سمكات كبيرة.. ولم يفت سهام أن تعلق بظرف على المشهد الجميل:
“هل يوجد سمك ناجل في نهر النيل؟”
قبل أن يرد عليها والدها، ظهر مضيفهما مستقبلاً لهما ببشاشة وترحاب كبير…
“أهلاً وسهلاً بجيران النبي صلى الله عليه وسلم، منورانا ست البنات الآنسة سهام”.
ذابت الضيفة الصغيرة خجلاً من هذا الترحيب الحار واحمرت وجنتاها كالورد الجوري الذي كان يزين فستانها الأبيض.
ولكن سرعان ما أحست سهام ببعض الملل وهي تستمع لحوار الرجلين حول التجارة والرياضة والنصر الكبير لحرب أكتوبر وهما يتحدثان بصوت عال وحماس واضح في معظم الوقت، ولكن لدهشتها أن تكرر مشهد الأحاديث الهامسة بينهما أيضاً مثلما كان الحال بين أمها والحاجة نعمة.
دقت الساعة العتيقة المتصدرة لصالة الاستقبال ثلاث دقات، وكأن معدة سهام كانت تنتظر هذا التنبيه بفارغ الصبر، فأخذت تقرقع بأصوات أحست معها بالحرج، ففرحت بطلب والدها، والذي لابد كان يتضور جوعاً أيضاً، أن تذهب لمساعدة الحاجة نعمة في المطبخ، رغم أن صوت والدتها لايزال يتردد على مسمعها وهي توصيها بالانتباه على فستانها الجديد.
تتبعت سهام مصدر بعض الأصوات لتصل إلى المطبخ، ولكن عندما طرقت الباب وحاولت فتحه لتدخل للمساعدة، فاجأتها الحاجة نعمة بأنها لم تفسح لها المجال، و حادثتها والباب لايزال موارباً: “أهلاً وسهلاً بالعزيزة بنت الغالية، إيه رأيك تتسلي بالقراءة؟” وأشارت لمكتبة كبيرة تتوسط الصالة الواسعة وقد احتضنها من الجهتين سلم داخلي من الرخام الأبيض.
قبل أن تغلق الحاجة نعمة باب المطبخ، التقت عينا سهام بعينيّ إمرأة شابة خلف صاحبة الدار، لم تعرف من تكون، ولم يهمها ذلك، ما أذهلها هو أن عينيها كانتا مثل الزجاج، بلورتين باردتين، وتذكرت على الفور سمك الناجل في نافورة الفناء!
منعها الجوع من إستطلاع المكتبة، رغم شغفها بالقراءة، وفضلت استطلاع البيت، فارتقت درجات السلم الرخامي من جهة اليمين كما عودتها والدتها على الحرص على سنة التيمن، واستغربت عندما وصلت للدور العلوي من وجود بعض البقع السوداء على الجدران البيضاء وكأنها رشت بفحم ناعم، وتساءلت في نفسها هل هذا نوع من الفن الجديد الذي تقرأ عنه في الصحف والمجلات.
جذبتها أصوات رقيقة متضاحكة خلف أحد الأبواب، فأسرعت تفتحه.. مما أوقع صاحبتا الضحكات اللتان كانتا خلف الباب مباشرة وكأنهما كانتا مستعدتين للخروج من الحجرة. تعارفت الأرواح البريئة بسرعة البرق فعرفت الضيفة أنهما سناء وسنية، إبنتي الحاج سعيد والحاجة نعمة وكانتا في مثل سنها تقريباً، ولسرورها الكبير كانتا تلبسان فستانين قريبي الشبه مما تلبس لولا وجود بعض البقع السوداء المتناثرة بين بياض الملابس و حلية الورد الجوري الأحمر.
قضى ثلاثتهم بعض الوقت في لهو صاخب في لعبة الغميضة، وكم أدهش سهام أنها كلما حاولت الإمساك بإحدى الفتاتين تفشل تماماً، وتشعر كأنها حفنة رمل تنسكب من بين أصابعها، ويتضاحكن جميعاً، الغالب والمغلوب.
عندما دقت الساعة أربع دقات، تذكرت سهام ألم الجوع فسألت الفتاتين بكل صراحة:
“لماذا لا تساعدان والدتكما في الوليمة التي تعدها لنا بكرم وحفاوة؟”
عمّ السكون وحلّ صمت مطبق، وتبادلت أربع عيون بللورية نظرات حيرى، لا تدري بما تجيب الضيفة الظريفة، الفضولية.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
