التمييز الاجتماعي في العراق: السادة/العوام إنموذجا

Social Discrimination in Iraq: Sayyid and non-Sayyid (“Religious” v “Ordinary” people)

In contemporary Iraqi society, the so-called “religious” category has arisen. Its members deem themselves the upper class in everything: politically, socially and otherwise. In doing so they have the upper hand in government and society. They distinguish themselves by their turbans (which are foreign to Iraqis). In an ideal Iraqi society such beliefs and practices did not exist.

The researcher directly outlines the problem, its causes and effects on the people and the real concept of Islam. Dr. Basim M. Habib identifies the proper ways to overcome this eccentric issue.

د. باسم محمد حبيب

مختصر البحث

يتناول هذا البحث ظاهرة من الظواهر العنصرية في مجتمعنا وهي تقسيم الناس إلى فئتين: فئة السادة وفئة العوام، وهي ظاهرة تم تأطيرها بأطر دينية بوساطة ربط فئة السادة بسلالة الرسول محمد (ص)، والإدعاء بإن هذا ما يفضلها عن فئة العوام، ما خلق سلوكيات شبيهة بالسلوكيات التي كانت متبعة في العصور السابقة التي سادت فيها قيم التمييز و العبودية، ولأن البحث يتناول قضية معقدة و حساسة، فقد أرتأى الباحث تناولها بطريقة العرض المباشر بتناول: اسباب هذه الظاهرة و أهم السلوكيات التي تمخضت عنها، مع إبراز تأثيرها على القيم الدينية والأجتماعية، وأخيرا تحديد أهم السبل التي يمكن من خلالها مواجهة هذه الظاهرة بغية إضعافها وإنهائها مع التقدير.

مقدمة

على الرغم من التطورات الحقوقية والاجتماعية التي يشهد العالم، مازالت معادلة السيد/العبد فاعلة ومؤثرة في المنظومة القيمة للمجتمع العراقي تحت تسمية مضللة هي تسمية السيد والعامي، التي هي تسمية يقصد بها تقسيم الناس على فئتين: إحدهما فئة السادة المنتسبة لآل الرسول محمد (ص) والأخرى فئة العوام التي تنتسب لأنساب أخرى من غير هذا النسب. إن أخطر ما تشكله هذه الظاهرة هو إنزياحها إلى القيم والممارسات الدينية، ما جعل من الصعوبة بمكان مواجهتها والتحرر منها، لأن الدين الذي تستند إليه هذه الظاهرة يشكل بؤرة مركزية في الضمير الجماعي، إذ عادة ما ينظر لأية محاولة لمواجهة هذه الظاهرة غير الإنسانية، بإنه نوع من التجديف غير المقبول، والأنكى هو إقتناع فئة العوام بها إنطلاقا من جهلها بحقوقها فضلا عن التعاليم الدينية الصحيحة، لذا من الواجب مواجهة هذه الظاهرة حتى يتخلص المجتمع من ظاهرة سيئة وينعم بما يستحقه من العدالة و المساواة التي تقرها جميع الشرائع الإنسانية والقوانين الدولية.

أولا : أسباب هذه الظاهرة

هناك أسباب عدة لتفشي ظاهرة التمييز الأجتماعي وظهور هذه المعادلة العنصرية في العراق أهمها:

1-  غياب السلطة السياسية الفاعلة والمؤثرة بسبب توالي سيطرة حكومات استبدادية على مقاليد الحكم في العراق ، وهي حكومات لم يكن لها من هدف سوى البقاء في السلطة وفرض سطوتها على المجتمع ، من دون ان تسعى إلى خدمته أو فائدته، ففسح ذلك المجال لظهور مؤسسات ظاهرها مليء الفراغ الذي خلفه غياب السلطة وباطنها فرض سيطرتها وتمرير مصالحها الخاصة ، ما أدلى إلى أن يكون معيار القوة، الفاعل الأساس في تأسيس المنظومة القيمية والسلوكية للمجتمع، ما خلق تباينا مجحفا في الحقوق وتناقضا واسعا في الواجبات تم تأطيره بالدين ليغدو ملزما وفاعلا [1].

لقد أدى غياب السلطة السياسية إلى نشوء سلطتين بديلتين هي سلطة العشيرة وبعض السلطات المرتكزة على الدين، بحيث أخذ كل منهما يعمل على ترسيخ وجوده بشتى السبل والوسائل [2]، وفي الغالب بوساطة سلسلة غير منتهية من الفتاوى الدينية و السنن الأجتماعية المتعارضة مع القيم الدينية و الإنسانية السليمة.

أن ابرز ما ابتدعته هذه السلطات هو وضع درجات للنسب بحيث يتم تقسيم الناس على مجموعتين : أحدهما مجموعة النسب الرفيع أو الشريف وتشمل : المنتمين للنسب العلوي بغض النظر عن مدى صدقيه هذا الانتماء [3]، فضلا عما يسمى بأبناء العلويات والشيوخ والسراكيل، والأخرى هي مجموعة النسب غير الشريف وتشمل بقية أطياف الشعب من الفقراء والضعفاء .

2- وجود ثقافة اجتماعية  لا ترى في التمييز الاجتماعي على انه حالة سلبية، بل تعده أمرا منسجما مع الاختلاف الطبيعي بين الأفراد، فهو بنظرهم تمييز طبيعي لا سبيل لتجاهله، ولسنا هنا في مورد مناقشة هذه النظرية، كن ما يلاحظ أيضا في نموذج التمييز المتأصل في النسيج الاجتماعي العراقي أنه مؤسس على نظرية دينية مفادها: أن الله هو من وضع التمييز بين البشر، بعد أن فضل بعضهم على بعض بنص الآية القرآنية ” إن اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” (سورة آل عمران:33)، لذا نجد أن هذا النوع من التمييز تجاهل معيار الكفاءة و العمل الذي يؤسس لمنطق المفاضلة الاقتصادي، فالتمييز هنا اجتماعي مؤثر في المعطى الاقتصادي وليس العكس أي اقتصادي مؤثر في المعطى الاجتماعي [4]، السائد في كثير من المجتمعات الأخرى.

ثانيا : السلوكيات التي خلقها هذا النوع من التمييز

لقد خلق التباين الحاد بين المجموعتين جملة من التقاليد والسلوكيات المتخلفة المتناقضة مع القيم الإنسانية ، مثل: إقصار إطلاق لقب (سيد) على هذه الفئة التي أشرنا بإنتسابها إلى سلالة الرسول محمد (ص) ومنع إطلاقها على سواهم، و تقديم السيد في المناسبات الاجتماعية، إذ يسري ذلك حتى على صغار السن، وتقبيل الأيدي وبذل الأموال الذي يتم تحت صيغ شتى، فضلا  عن الكثير من مظاهر الخنوع والتذلل، ومن ذلك مناداة السيد بلفظة مولاي التي تعود بأصولها إلى الإرث العبودي، وفيما يحظى السيد بالحماية الدينية والتقدير الاجتماعي، يوضع العامي في درجة التابع بوصفه أدنى درجة من السيد الذي يتربع على رأس الهرم الاجتماعي، ويلبس السيد ملابس أو يضع شارات تميزه عن سواه: كـالعمامة السوداء والحزام الأخضر وما إلى ذلك، ويحرص المنتسبون لفئة (السادة) على عدم تزويج بناتهم من أولاد فئة (العوام) حتى لا تختلط دمائهم مع دماء من هم أقل منهم شأناً، فيما لا يتورعون عن الزواج من الفئة الأخرى ويعدون هذا الزواج تشريفاً لها وتطهيراً[8].

ثالثا : الأسباب التي تدعونا لمواجهة هذه الظاهرة

1- انها ظاهرة متناقضة مع القيم الإنسانية التي لا ترى ان هناك فوارق حقيقية بين البشر وأن جميع البشر متساوون في الحقوق والواجبات.

2- خلقها سلوكيات بعيدة كل البعد عن العلاقات الانسانية المتوازنة المبنية على مبدأ المساواة الذي تقره القوانين الدولية والمباديء

الإنسانية.

3- تأثيرها على بناء المجتمع من خلال،  خلق فئة مستغِلة (بكسر الغين) وفئة مستغلَة (بفتح الغين) وما يسببه ذلك من هدر للطاقات وخلق فئات طفيلية تعتاش على جهد الناس وعرقهم.

4- خلق سمعة سيئة للبلد، لأن مثل هذه العلاقات لم يعد لها وجود إلا في المجتمعات المتخلفة والجاهلة بحقوقها.

رابعا : موقف الإسلام من هذه الظاهرة

ومما يدعم مواجهة هذه الظاهرة ، أنها تتناقض مع القيم الإسلامية التي تنادي بالمساواة : كالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فقد ورد في النص القرآني “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير“ [9]، كذلك ورد عن الرسول (ص) أنه قال: “إنّ أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع لم يملأه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيئاً بخيلاً فاحشاً، وفي  حديث آخر “إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”، وفي حديث آخر ورد قوله “أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى” [10]، فضلا عن عدم وجود أي سند تأريخي يشير إلى استخدام المسلمين لـلفظة السيد، لا سيما في الفترات الإسلامية المبكرة، فلم يشر لأي شخصية إسلامية بصفة السيد، كأن يقال (السيد محمد رسول الله) أو (السيد علي بن أبي طالب) أو (السيد الحسين بن علي) فهي –على الأرجح– من الألفاظ المستوردة والوافدة من الحضارات الأخرى.

الخاتمة

نستنتج من هذا البحث ما يلي :

1-   يعد التمييز الأجتماعي احد الآفات الأجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإنساني بشكل عام والعراقي بشكل خاص، ومن ثم فإن مواجهته تمثل جزءً من الهدف الإنساني العام وذات صلة بالشرائع الدينية والقوانين الدولية.

2-    أدى شيوع العنصرية إلى تقسيم الناس على مجموعتين: أحدهما مجموعة النسب الرفيع أو الشريف وتشمل المنتمين للنسب العلوي بغض النظر عن صدقية هذا الانتماء، فضلاً عما يسمى بأبناء العلويات والشيوخ والسراكيل، والأخرى هي مجموعة النسب غير الشريف وتشمل بقية أطياف الشعب من الفقراء والضعفاء.

3-   إن أخطر ما تشكله هذه الظاهرة هو إنزياحها إلى القيم والممارسات الدينية، ما يجعل من الصعوبة بمكان مواجهتها والتحرر منها، لأن الدين يشكل بؤرة مركزية في الضمير الجماعي.

4-   إنّ العراق يعد الآن من البلدان القليلة التي مازال الناس يعانون فيها من التمييز الاجتماعي ، لأن معظم دول العالم الأخرى أخذت بالقيم والمبادئ الإنسانية التي تمنع كل أشكال التمييز وترفض كل محاولة لتقسيم البشر على أسس عنصرية.

5-   إنّ ما يدعم مواجهة هذه الظاهرة أنها تتناقض مع القيم الإسلامية التي تنادي بالمساواة حيث نهى الإسلام عن أي شكل من أشكال التمييز بين الناس  وهذا ما ورد في النصوص القرآنية والحديث النبوي الشريف.

الهوامش

[1]  حول بعض الأمثلة التي تؤكد هذا التباين في الحقوق والواجبات ينظر: حنا بطاطو، العراق (الكتاب الأول)، ترجمة: عفيف الرزاز، ط1، طهران، 2005، ص186.

[2]  حول غياب السلطة عن هذه المنطقة في العهد العثماني يمكن الرجوع للمصدر التالي: ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون من تأريخ العراق، ترجمة: جعفر الخياط، بغداد.

[3]  حنا بطاطو، المصدر السابق، ص 183.

[4]  حول هذا الموضوع ينظر: محمد باقر الصدر، إقتصادنا، ج 2، النجف، 2003، ص 672.

[5]  حول بعض هذه الممارسات ينظر: علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، قم، 2005، ص 207–208.

[6]  جواد مطر الموسوي وآخرون، حقوق الإنسان بين العولمة والإسلام، بغداد، 2009، ص 45.

[7]  العدل والمساواة من الناحية النظرية يفترضان أساسا أن يطبق القانون (وأيضا العرف) بالتساوي في جميع الحالات وعلى جميع الأشخاص دون خوف أو محاباة. حول ذلك ينظر: دينيس لويد، فكرة القانون، ترجمة: سليم الصويص، الكويت، 1981، ص146–147.

[8]  حنا بطاطو، المصدر السابق، ص 190.

[9]  القرآن الكريم، سورة الحجرات.

[10]  ابن كثير، تفسير القرأن، ج7، دار طيبة، 2002.

المصادر

1-   القرآن الكريم

2-   ابن كثير، تفسير القرأن، ج 7، دار طيبة، 2002.

3-   دينيس لويد، فكرة القانون، ترجمة: سليم الصويص، الكويت، 1981.

4-   جواد مطر الموسوي وآخرون، حقوق الإنسان بين العولمة والإسلام، بغداد، 2009.

5-   محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ج 2، النجف، 2003.

6-   حنا بطاطو، العراق (الكتاب الأول)، ترجمة :عفيف الرزاز، ط1، طهران، 2005.

7-   علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، قم، 2005.

8-   ابي الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق: احمد صقر، مطبعة عترت.

9-   ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون من تأريخ العراق، ترجمة: جعفر الخياط، بغداد.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s