المرأة سيدة العصور الرائعة في معظم العقائد

Painting by ©Falah Al-Saeidi

الدكتور صالح الطائي

لا أؤمن بتلك النظريات الغريبة التي تتحدث عن بداية خلق المرأة، ولاسيما منها تلك التي تنتقص من كينونة خلقها، وتحاول أن تجعلها تابعة للرجل منذ لحظة وجودها الأول، كأن تدعي أن المرأة خلقت من ضلع الرجل، وكأن القدرة الإلهية المطلقة التي أوجدت الرجل من العدم المطلق، عجزت عن إيجاد المرأة بالأسلوب ذاته ! وفي أفضل الأحوال قولهم: إن الرجل خلق أولا، ثم خلقت هي من بعده. 

والذي أراه، أو الرأي الذي أميل إليه أن الله لم يخلق آدم أولا ثم حواء من بعده، ولم يخلقها من جزء من جسمه، إذ ليس هناك ثمة دليل ناهض على ذلك. أقول هذا مع حديث البعض عما يرون أنه تضافر أدلة شرعية من الكتاب والسنة والصحابة والتابعين على أن آدم هو أصل النوع البشري، وأن الله خلقه من تراب، ثم خلق منه زوجته حواء، وكنا نحن البشر نتاج هذا الخلق وتلك التجربة الفريدة! ومن الأدلة التي جاءوا بها من القرآن، قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء:1)، حيث ذهبوا إلى استطلاع آراء المفسرين التي تمثل رؤاهم الشخصية لا أكثر، مثل قول ابن كثير: “(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهي حواء، خلقت من ضِلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ، فرآها فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. وعن ابن عباس، قال: خُلقَت المرأة من الرجل” (تفسير ابن كثير، ج2/ص206). ومنها أيضا، قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} (الزمر: 6). وهي الآية التي قال الطبري عنها: “(خَلَقَكُمْ) أيها الناس (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يعني من آدم. (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) يقول: ثم جعل من آدم زوجه حواء، وذلك أن الله خلقها من ضِلَع من أضلاعه” (تفسير الطبري، ج21/ ص254) و(الطبري، المصدر نفسه، ج7/ص515). فالذين ذهبوا إلى هذا الرأي، قالوا: إن المقصود بـ (منها): من بعضها، أي من بعض هذه النفس، والبعضية هنا: يقصد بها ضلع آدم، مع أنها تحتمل معاني أخرى، ولكنهم اغفلوها!.

الغريب أنك حينما تبحث عن أصل هذا الاعتقاد الجائر تجد إصرارا لدى كثير من المفسرين في محاولة منهم لترسيخه في عقول الناس، فهو لدى: الرازي، والبغوي، وابن الجوزي، والبيضاوي، وابن عاشور، والسمرقندي، وابن عادل، والنسفي، والسيوطي، والخازن، والثعالبي، وأبو السعود، والنيسابوري، وجلال الدين المحلي، ومقاتل بن سليمان، وابن عجيبة، وابن عبد السلام، وأبو الحسن الواحدي، وابن عطية، والشوكاني، والشنقيطي، وأبو بكر الجزائري، ومحمد سيد طنطاوي، وكثيرين سواهم، كلهم أصروا على أن المرأة  الأولى ممثلة بأمنا حواء، خلقت من الجزء الأكثر اعوجاجا  من ضلع الرجل، مستدلين على ذلك بحديث أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة، قال: قال النبي: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ”. (البخاري، حديث رقم: 3331، ومسلم حديث رقم: 1468). بالرغم من كون الحديث بصيغته هذه يبدو في غاية القسوة على المرأة، ويوحي بأنها غير مشمولة بتعاليم السماء لأن تقويمها مستحيل، وبالتالي لا حاجة لها بالشريعة ولا للشريعة حاجة بها، فهي إما أن تبقى على أعوجاجها، أو تنكسر إذا حاولت تقويمها!

إن المشكلة ليست في الإصرار على هذا الرأي وحده، بل في عد هذا الرأي من المسلمات الخارقة للطبيعة، ومن عجائب آيات الله العظمى، ذهب لذلك ابن تيمية في قوله: “وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم .. وهذا هو أصل خلق حواء” (الجواب الصحيح على من بدل دين المسيح، ج4/ص54).

ولذا تجدهم حينما تسألهم: ولماذا لم يخلق الله حواء مع آدم في وقت واحد، وبعين الطريقة والآلية التي خلقه فيها؟ لا يحرون جوابا، ولا يملكون إجابة، بل يجيبونك بتعليل غريب يثبت عجزهم عن الإقناع، فيقولون: “لا بد أن نعلم أن الله تعالى فعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله؟ قال إسحاق بن إبراهيم: “لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين؛ لقول الله تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء:23)، ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله بفهم، بما يجوز التفكر والنظر فيه من أمر المخلوقين “. (ابن تيمية، الاستقامة، ج1/ص78). فيغلقون بأقوالهم هذه الأبواب أمام من يبحث عن الحقيقة. لكنك حتى مع هذا التضييق لا تعدم وسيلة العثور على من اعترض عليهم، وفند أدلتهم، ومن هنا نشأ الخلاف في خلق حواء: هل خلقت من آدم فعلا، أم من جنس نفس آدم التي خلق منها؟

فهم حتى مع تحدثهم عن أدق تفاصيل خلق المرأة الأول، تجدهم يسكتون عند الحديث عن كيفية خلقها من الضلع الأعوج للرجل، كما في قول الآلوسي في تفسيره: “والكيفية مجهولة لنا، ولا يعجز الله تعالى شيء”.(ج6/ص475)، وبالتالي تجد نوعا من الإصرار لتأكيد تبعية المرأة للرجل في كل شيء. ووفق هذه المنهجية الغريبة، تجد همتهم عالية في الحط من منزلة المرأة وبقصدية ظاهرة للعيان، وفيها الكثير من الإصرار، فهم حينما تحدثوا عن تأخر خلق المرأة عن الرجل، لم يكونوا عابثين، بل أرادوا عن قصد وتعمد الإشارة إلى تبعيتها للرجل في كل شيء، وهذا ما يتضح من قول الزمخشري في تفسيره: “وجاء العطف بـ (ثم) للدلالة على مباينتها، فضلاً ومزية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود(ج1/ص369). بمعنى: أن الله أخَّر خلق حواء عن خلق آدم لأن منزلتها أدنى من منزلته. ويتضح هذا المعنى أكثر في قول ابن العربي في أحكام القرآن: “فضل الله تعالى الذكر على الأنثى من ستة أوجه: الأول: أنه جُعل أصلها وجُعلت فرعه؛ لأنها خلقت منه. الثاني: أنها خلقت من ضلعه العوجاء. الثالث: نقص دينها. الرابع: نقص عقلها. الخامس: نقص حظها في الميراث. السادس: نقص قوتها؛ فلا تقاتل ولا يسهم لها”(الكشاف، ج2/ص14). 

إن هذا الإصرار يبدو ممنهجا ومتعمدا طالما أن هناك أبوابا أخرى يمكن الولوج من خلالها للوصول إلى نتيجة مختلفة، ولكنهم رفضوا الالتفات إليها، فهناك ثمة آراء أخرى، ذهبت إلى أن الحديث عن خلق المرأة من ضلع الرجل ليس صحيحا، وأن تفسير قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ لا يقصد به أنه خلق المرأة من ضلع الرجل، بل يُقصد به أن (نفس واحدة) هي جنس نفس آدم، وأن الله خلق من جنس نفس آدم ونوعها نفسا أخرى مشابهة لها هي نفس حواء، أي خلقهما من الجنس نفسه. وكان الطبري قد أشار إلى هذا الرأي في تفسيره بعد أن اورد الآراء التي ذكرناها سابقا، فقال: “﴿وجعل منها زوجها﴾ أي: من جنسها”. ولكنه لم يأخذ بهذا الرأي، وقال: والرأي الأول أولى”(تفسير الطبري، ج3/ص55، وج20/ص 86)

وهناك غير الطبري من أشار إلى هذا المعنى، ولكنه لم يعترض عليه، منهم أبو حيان في قوله: ” إما كون حواء خلقت من ضلع آدم، وإما أن أزواجكم من جنسكم ونوعكم، فمتى كان من الجنس، كان بينهما تآلف، بخلاف الجنسين، فإنه يكون بينهما التنافر، وهذه الحكمة في بعث الرسل من جنس بني آدم”.(البحر المحيط، ج9/ص76) وابن عادل في قوله: “المعنى، وخلق من آدم حواء، وقيل: من جنسها زوجها”.( تفسير اللباب ج5/ص6)، وابن عطية في قوله: “وكون حواء مخلوقة من آدم، هو الذي تدل عليه الروايات الصحيحة، وقال بعضهم: معنى (منها) من جنسها.( المحرر الوجيز، ج2/ص67)، والألوسي في تفسيره(ج15/ص348)، والبيضاوي في تفسيره.(ج2/ص348). لكنك في العموم تجد المدارس الفقهية الإسلامية تتبارى لإثبات تابعية المرأة للرجل، لا فرق في ذلك بين مدرسة وأخرى، وترفض أغلبها الأخذ بهذا الرأي.

إن بعض إصرارهم يتمثل في محاولة لصق اسم حواء بطريقة خلقها لترسيخ هذا الاعتقاد في العقول، ولذا تجدهم يلهثون وراء الكلمات التي تدعم آراءهم في طريقة خلقها، ليدعوا بأنها سميت حواء بسبب خلقها من حيّ وهو آدم، وهذا معنى قولهم إن المقصود بالنفس الواحدة: من أصل جنسها (المؤنث) فهي سميت مرأة؛ لأنها خلقت من مرء، وهو آدم!. 

إن الوهن والضعف في هذا الرأي يأتي من تعارضه مع آراء كثيرة أخرى، منها أن المرأة الأولى ـ مثلما ورد في كثير من المصادر مثل السمرقندي في بحر العلوم، ج1/ص 357، وابن عادل في تفسير اللباب، ج1/ص 236، ومحمد الزبيدي في تاج العروس، ج1/ص6405 إنما سميت حواء لأنه كان على شفتيها حُّوة أي سُمرة, أو لأن الحُوة كانت في ذقنها, أو لأن لونها بشكل عام كان يضرب إلى السُّمرة, أو لأنها أمٌّ لكل حيٍّ, أو لأن المرأة تحوي على الرجل وتستحمله فيسمع منها في أغلب أمره.

الذي اكتشفته من خلال البحث والتقصي أن ثمة جوهرتان رائعتان خلقهما الله من الطينة عينها للسبب عينه وبالمركز عينه والوقت عينه ، وكلفهما بالواجب ذاته. ذلك الواجب الذي لا يمكن أن يتحقق على يد أحدهما لوحده، فهما متساويان متكاملان باستثناء أمر واحد ألا و هو أنّ على مر العصور كانت المرأة أكثر جمالا من الرجل، ولذا حسدها، وغار من جمالها، فبحث عما ينتقصها به، فلم يجد سوى تلك الحكايات الأسطورية. وأن الحسد هو الذي دفعه إلى البحث عما يقلل من منزلتها ويرفع من منزلته لتكون تابعة له. ولأن الحسد والغيرة لم يتوقفا عبر التاريخ، نجد تلك الأقوال تتنقل عبر الموروث الذكوري من جيل إلى آخر دون أن ينبري من يعترض عليها، أو يشكك بمصداقيتها، حتّى تحولت إلى مقدس لا يجوز الاعتراض على فحواه.

أما واقعا فإن المرأة لم تكن وجودا خلق لإكمال العدد أو للوصول إلى حد، أو لمجرد أن تهز المهد، فكما أن وجود الرجل لا حدود له، كذلك المرأة، وهي إن كانت قد أعطيت واجبات تبدو أخف من تلك التي كلف بها الرجل، فلأن تكوينها الجسدي يختلف عن تكوين جسد الرجل، لا لأنها أقل كفاءة أو علما أو مقدرة منه، بدليل أن هناك الكثير من المهام التي يعجز الرجل عن القيام بها، تؤديها المرأة بكفاءة عالية واقتدار. وهي إن كانت لم تبعث نبيا كما بُعث الرجال، فإنها قُدست على مر التاريخ كآلهة تتحكم في مصائر الرجال، ولم تقف قصص الضلع حائلا بينها وبين منصب الإلوهية في الحضارات القديمة، وأن الذي ازاحها من مرتبتها العالية تلك هم الرجال انفسهم، إذ ذهبت “غيردا ليرنر” في كتابها “نشأة النظام الأبوي”  الذي تحدثت فيه عن حضارة وادي الرافدين؛ إلى أن خضوع المرأة للرجل لم يحدث في خطوة واحدة بل عن طريق سيرورة تاريخية امتدت لأكثر من 3500 سنة. وخضوع المرأة للرجل تاريخيًّا لا يعود إلى طبيعة تكوينها البيولوجي ولا النفسي كما يدَّعي كثيرون، بل له أسبابه، وألا فإن قول عالمة الآثار في جامعة كاليفورنيا “ماريا غيمبوتاس” أنه تم العثور على 30 ألف تمثال صغير لأنثى من الرخام والطين والنحاس والذهب في ثلاثة آلاف موقع شرق أوروبا فقط، فضلا عن العديد من التماثيل الأنثوية الصغيرة التي عُثر عليها في كاتال هويوك (تركيا حاليًا) تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد، وفي أماكن أخرى مثل وادي دون في روسيا، والعراق والأناضول، وهي أدلة أثرية تحتفي بالجنسانية الأنثوية وتقدسها،ممّا يؤكد أن عبادة  المرأة الآلهة كانت واسعة الانتشار في تلك المناطق. ويمكن معرفة الأهمية الدينية لهذه التماثيل عن طريق المادة الأسطورية والأدبية الخاصة بتلك الحقب. وبالنتيجة نجد أن الذي تسبب بإزاحتهن من المراكز المتقدمة لم يكن الاعتراض الناتج عن الوعي الشعبي الجماهيري، فمرتبة المرأة الآلهة تراجعت في بلاد ما بين النهرين على سبيل المثال في الدين الرسمي للدولة فحسب، لكنها بقيت مستمرة ومتألقة على مستوى التدين الجماهيري والشعبي قرونا طويلة، ومن ثم انعكس الحراك الرسمي على الحياة الدينية فيما بعد، فكانت بداية النظام الأبوي، وانحدار منزلة المرأة. 

وقد مرت شعوب كثيرة أخرى بهذه التجربة وهذا التراجع وكأن هناك صحوة عالمية للتخلص من هيمنة المرأة على مراكز التقديس، فمنزلة المرأة في اليابان والصين كما يقول “ول ديورانت” كانت أعلى في مراحل المدنية الأولى منها في المراحل المتأخرة، وإن إخضاع المرأة للرجل انتشر حين انتشر النظام الاقطاعي” (قصة الحضارة، ج5/ص63).

وهكذا تبدو مكانة المرأة في التاريخ البشري بشقيه الديني والحضاري وهي تتراوح بين العظمة والإذلال، بين الرفعة والانحطاط، بين القدسية والرذيلة، لا لوجود معطيات مادية تثبت وجود خلل في خلقتها أو في مهنيتها وكفاءتها بقدر كونها مجرد رغبات سلطوية ذكورية كانت تتحكم بالمسار العام للكون، لكن على العموم نجد أن أعظم الأديان وأعظم الحضارات هي التي احترمت المرأة، ووضعتها في منزلتها الحقيقية، أما ما أفرزته تلك الأديان والحضارات الأصيلة، فلم يكن من أصل رسالتها وعقيدتها، بل تسبب به المتدينون أنفسهم، فهؤلاء هم الذين طغت رؤاهم على رؤى عقائدهم الدينية، وتحولت إلى عقيدة يتعبد بها الناس، فبدت وكأنها هي الدين، وبالتالي اعتقد عامة الناس أن أديانهم هي التي مازت بين الرجل والمرأة وفضلته عليها! وإلّا فهل يعقل أن ينسب إلى رسول الله قول: “ما تركت بعدي من فتنة أضر على الرجال من النساء” (ورد في معظم كتب الحديث في كتاب الفتن وباب فتنة النساء بما فيها صحيح البخاري)؟

إن تشويه صورة المرأة في التراث الإسلامي لم يأت من وجود خلل في الشريعة وإنما كان مصدره تلك الاجتهادات الغريبة للذين نصبوا أنفسهم قيمين على مباني الشريعة وشرحها، حيث سرح بهم خيالهم متماهيا مع مواريثهم الجاهلية فرسموا تلك الصور المهينة للمرأة، وجعلوا منزلتها تقارب منزلة الكلب والحمار، جاء في صحيح مسلم، عن أبى ذر، قال: قال رسول الله: “إذا قام أحدكم يصلى، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود”. قلت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان”.(صحيح مسلم، ج4/ص228، حديث: 511) 

أو جعلوها تشابه النعجة بسبب هدوئها وانكسارها؛ والبقرة والناقة بسبب كون الرجل يركبها، كما في قول القرطبي في تفسيره آية (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً): “والعرب تُكنى عن المرأة بالنعجة والشاة؛ لما هي عليه من السكون والعجز وضعف الجانب. وقد يُكنَّى عنها بالبقرة والحجرة والناقة، لأن الكل مركوب”. (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج15/ص172)

وهناك في الكتب المعتبرة روايات تؤكد بدون أدنى شك أن هذه الروايات مختلقة ولا أصل لها، ودفعا للإطالة سأذكر روايتين فقط:

الأولى: أخرج البخاري، وأخرج مسلم نفسه حديثا عن عبدالله بن عباس أنه قال: “أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله يصلى بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدى بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد”.(صحيح البخاري، ج1/ص 751، وصحيح مسلم، ج4/ص221)

الثانية: أيضا أخرجها البخاري ومسلم نفسه عن أم المؤمنين عائشة وقد ذكر عندها ما يقطع الصلاة، الكلب والحمار والمرأة، فقالت: “شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي يصلي، وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذى النبي، فأنسل من عند رجليه”.( صحيح البخاري، ج1/ص773، وصحيح مسلم، ج4/ص229). لكن بالرغم من ذلك نجد هناك منظومة حديثية منسوبة إلى النبي تحاول التأكيد على دونية المرأة، وتحط من منزلتها بشكل يفوق الوصف، ويخالف ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن المرأة ومكانتها العظيمة في عقيدة الإسلام، ومن تلك الأحاديث:

عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال لجمع من النساء: “ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل من إحداكن”(صحيح البخاري، كتاب الحائض، حديث: 298، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث250)

عن أنس بن مالك، قال رسول الله: “لا يصح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها” (مسند أحمد بن حنبل، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس، حديث: 12635)

عن عبد الله بن عمر، قال رسول الله: “لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس” (صحيح البخاري، باب الطيرة، حديث: 5421)

عن أبي سعيد الخدري، قال النبي: “يا معشر النساء تصدّقن فإني أريتكنّ أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير” (صحيح البخاري، كتاب الحيض، حديث 298)

عن أبي بكرة، قال: لما بلغ رسول الله أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”. (صحيح البخاري، حديث: 4425، وأورده النسائي في السنن، ج8/ص227، تحت باب “النهي عن استعمال النساء في الحكم”)

ولكي أثبت أن هذه المنظومة ليست من روح الإسلام ولا من عقيدته، سأورد بعض ما أخرجه أهل الصحاح من الأحاديث التي تهين المرأة وتحط من منزلتها، دون ذكر المصدر، ومنه: “المرأة تأتي على صورة شيطان.. فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها”. و”للمرأة عشر عورات: فإذا تزوّجت ستر الزواج عورة وإذا ماتت ستر القبر التسع الباقيات”. و”المرأة عورة فإن خرجت استشرفها الشيطان”. و”إن أقل ساكني الجنة النساء”. ولا يسأل الرجل فيما ضرب أهله”. و”استعينوا على النساء بالعري، فإن المرأة إذا كثرت ثيابها وأحسنت زينتها أحبت الخروج”. و”ثلاثة لا تتجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط”. و”والذي نفسي بيده: لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه”. و”أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة”. و “لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها , وهي لا تستغني عنه”. و”إذا دعا الرجل امرأته لفراشه, فأبت أن تجيء فبات غضبانا عليها, لعنتها الملائكة حتى تصبح”.

فأين هذا من قول النبي: “رفقاً بالقوارير” (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ويوصي المسلمين بالنساء خيرا بهن حتى وهو على فراش المرض، وأين هو من قوله: “ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة” (رواه ابن ماجه)، ومن قوله: “والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهى مسؤولة عنهم ، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” (صحيح البخاري، حديث: 893)

وبالتأكيد هناك قبالة هذه الأحاديث التي حكم على أكثرها بالبطلان والوضع أحاديث صحيحة تمتدح المرأة وترفع من منزلتها وهي تتعارض مع الأحاديث الأولى، ومنها: قال النبي: “ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على آخرته”. و ” الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة”. و “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم”. 

إن مما يحز في النفس أن كثيرا من الإفتائيين ورجال الدين يعتمدون تلك الأحاديث الضعيفة ويتجاهلون ما هو أصح وأصلح منها بحجة صون المرأة وهم يعلمون قبل غيرهم أن صون كرامة المرأة ووضعها في مركزها الذي اختاره الله لها هو بإكرامها وتقديرها وعدم الانتقاص منها، وهذا ليس ابتداعا ولا خروجا على الشرع بل هو الشرع والحق الذي جاء به الإسلام.

وبالتالي أجد أن الإجحاف التاريخي الكبير الذي تعرضت له المرأة، دفع النساء في الوقت ذاته إلى الشعور بالغبن من جانب، والعمل على ترصين وتوحيد الصفوف للوقوف بوجه الاستغلال الذكوري من جانب آخر، بأساليب مختلفة بعضها سببه رد الفعل من تلك الأقوال التي تطعن بالنساء، ودفع الكثير من الرجال المنصفين إلى الوقوف بصف المرأة لرفع الحيف عنها، لا عداء لجنسهم بل دفاعا عن الحقيقة، وقد كانت هناك مساع حقيقية حثيثة تبناها الرجال لإحلال عدل المساواة بين الجنسين في الكون، اختلفت وسائلها وفقا لاختلاف تخصصات القائمين عليها، وقد قالت العلوم كلمتها، وقال الفن كلمته، وتحولت المعلومة والريشة إلى سلاح يدافع بوساطته العلماء والفنانون لا عن قيم احترام المرأة فحسب، بل وعن إشراقة الجمال الجسدي والروحي والفكري والإبداعي الذي تمتاز به المرأة، فهؤلاء وكل المنصفين هم الذين وظفوا طاقاتهم ليرسموا للمرأة صورا معبرة لا تركز على الجمال كمفهوم إيحائي بحت بقدر تركيزها على الطيبة التي تمثلها المرأة في عمقها الروحي، فهي كينونة العطاء ومدرسة الكرم بلا مقابل، وكل من يحاول زحزحتها عن مركزها يحكم على نصف المجتمع البشري بالغبن والحرمان، وهذا إثم كبير.  

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s