اسكندر بوشكين

أمير شعراء الروس

ترجمة: عبد الكريم الناصري

في 10 فبراير احتفل الروس في بلادهم وفي خارجها بمرور مائة عام على وفاة شاعرهم الاكبر اسكندر بوشكين (Alexander Pushkin) وقبل خاتمة الفاجعة ببضعة شهور كتب يقول: “لقد أقيم لذكراي نصب لم تصنعه يد.. ولسوف يذاع في كل أرجاء روسيا، ولسوف يجري ذكري على كل لسان، ولسوف يتغنى بشهرتي كل روسي..”

وقد ادهشت هذه النبوءة مريديه والمعجبين به، فما عرفوه قط من قبل أن يتحدث عن نفسه على هذا النحو، وانما عرفوه حييا متواضعا على ما أصاب من شهرة ومجد. بيد أنه كان مصيبا في قوله، فإن شعره الآن جزء لا يتجزأ من العقلية الروسية، وشهرته قد تجاوزت حدود بلاده، حتى، أن بعض البلدان، كصربيا وتشكوسلوفاكيا وفارس، احتفلت رسميا بذكراه المئوية، هذا فضلاً عن الاحتفالات التي اقامتها شتى أقطار الارض. ومع ذلك لم يصب بوشكين في خارج روسيا ماهو حقيق به من الشهرة والتقدير، ولم ينل منهما في انجلترا ما ناله في فرنسا وألمانيا، بالرغم من أن المجلات الادبية الانجليزية ذكرته سنة 1822، ووصلته بقرائها وبالرغم من أن جماعة من الشعراء والادباء، ومنهم جورج بورو، تصدوا لترجمة قصائده.

وقد كتب الشاعر الانجليزي المعاصر”موريس بيرنج Maurice Baring” فصولا في تقويم أدبه، وتقدير شعره، تعد من أحسن ما كتب عنه في أية لغة في اللغات الروسية، كما أنه ترجم بعض قصائده الوجدانية ترجمة تدعو الى الاعجاب على الرغم من قوله: “إن التصدي لترجمة أشعار بوشكين محاولة فاشلة، وعمل يائس يشبه تصديك لتمثيل ألحان موزار بالرسوم والتماثيل، وتحويلها الى الالوان والاحجار.”

وُلد الكساندر بوشكين “في موسكو، في الثامن من يونيو سنة 1799، وتوفي في بطرسبورج، في العاشر من فبراير سنة 1837، وهو سليل أسرة من الأشراف، وكان من شأنها الاعجاب بكل ما يتصل بفرنسا والفرنسيين ولا سيما آدابهم، وكان الفتى اسكندر يحفظ عن ظهر قلب كثيراً منبدائع موليير وفولتيير، ولم يكن الحفظ عسيرا عليه، لما أوتيه من ذاكرة قوية ممتازة، وقد ظل طوال حياته قارئا نهما، حتى روى أنه لما حضره الموت شخص ببصره الى الكتب المرصوفة على الرفوف وقال: “وداعا يا رفاقي الاعزاء”

وأجداد بوشكين من جهة أمه افريقيون، ويحتمل أنهم أحباش، وقد جلب جده ” أبرام هانيبال” الى بطرسبورج -من القسطنطينية- هدية الى بطرس الكبير، ثم صار سكرتيره الخاص، وكان بوشكين يفتخر بجده الاسود، وكان متأثراً بدمه الافريقي، ولعل لهذا الدم يدا في نضجه المبكر، وفي هذه الحرارة التي تفيض بين أغانيه.

وفي سنة 1811 دخل الليسيه في تسارسكوي سيلو Tseraskoye Selo، وهي مدرسة داخلية أسسها القيصر المتحرر الفكر اسكندر الاول، وشيد بنايتها في جانب من بلاطه؛ وهناك أنفق بوشكين ست سنوات سعيدات، طُبعت أثناءها أولى قصائده، وكان عمره عندئذ أربعة عشر عاما.

ولما ترك المدرسة التحق بوزارة الخارجية، ولكنه لم يحبر قط بلاغا رسميا، وما كان ينتظر منه ذلك، وما بلغ الثامنة عشرة حتى كان باعتراف شيوخ الأدب، ومن أمثال كارامازين وجوكوفسكي، زعيما لشعراء عصره، وحتى كان شعره بغية الشبان يدرسوسنه ويحفظونه ..

وقد لعبت السياسة دوراً مهما في حياته، فمع أنه لم يكن عضوا في الجمعية السرية التي تشكلت سنة 1818، ثم سحقها الجيش في فتنته التي شب أوارها سنة 1825، فأنه عبر في قصائده عن اغراضها -وخلاصتها تأليف حكومة دستورية وتحرير الفلاحين- تعبيرا أقوى وأشد إقناعا من برامجها الطويلة، ولكن مالبث الرأي العام أن أشتد في مطالبته بالاصلاح والتحرير، فقل تسامح القيصر وفترت همته الاصلاحية، وكان بوشكين أول من نزلت به عاقبة هذا الخلاف بين الامبراطور ورعيته وذلك أنه نشر في ذلك الوقت قصيدته الموسومة “بالحرية” وقصيدتين أخريين في هجو أرا كتشيف Araktcheev فنفى على أثرها الى جنوب روسيا.

وقد هيأ له منفاه -الذي لم يك قاسيا جدا- فرصة لمشاهدة بلاد القوقاس والقرم وبراري صربيا، حيث عاش تلك العيشة التي التمسها بيرون ثم ظفر بها في البانيا، وكان بوشكين مسحورا ببيرون1Byron، وما سحره منه أسلوبه الشعري، بل بساطته وإخلاصه2Disenchantment وعنف عواطفه، وفي سنة 1819، دخلت الترجمة الفرنسية لكتاب بيرون Childe Harold روسيا، فرحب بها هو وطائفة من اصدقائه الادباء ترحيباً حماسيا، بالرغم من سقمها وركاكتها. وبلغ من اعجاب الشاعر الروسي العظيم بالشاعر الانجليزي أنه أخذ نفسه يتعلم الانجليزية ليقرأه بلغته الأصلية، ولكن أسرار النطق الإنجليزي كانت تحيره وتربكه، حتى أن أصدقاءه الذين تعلموا الانجليزية منذ طفولتهم كانوا اذا سمعوه يقرأ لا يملكون أنفسهم من الإغراق في الضحك لانه ينطق بالألفاظ الإنجليزية وكأنها لاتينية.

تأثر بوشكين ببيرون ولم يقلده -فما كان مقلدا وانما كان مستعدا على الدوام لأن يتعلم ليس غير- وظهر هذا التأثير في قصيدتيه “سجين القوقاس” و”نافورة باختشيساراي”. على أن التشابه قليل والفرق واضح ين الشاعرين: فبوشكين أرق وأودع وفكاهته النادرة أعمق، في غير ايلام، وفهمه لطبائع الشعوب وخصائص البلدان أوسع وأبعد مدى.

بيد أن تاثير بيرون زايل شاعرنا بالتدريج حتى اذا بدأ بتأليف قصته الشعرية ” افجيني أونيجين Evgeni Onegin” لم يكن بقي منه شيء. وتعد هذه القصيدة اول ما ألف من القصص الروسي الجيد، وكان ترجنيف يقول إن  أربعة أبيات من مقدمتها تفضل آثاره جميعا وكان لينين يجد في صفحاتها مريحا من عناء العمل، وقد سمى القيصر نقولا الثاني ابنتيه الكبريين -تاتيانا واولغا باسمى الاختين في الرواية.

ومع ذلك كان بوشكين يفضل عليها قصيدتيه “بوريس جودونوف” (1825) و”بولتافا”3Boris Godounoff (1828) والاخيرة قصيدة تاريخية تصور النزاع بين بطرس الكبير وتشارلس الثاني عشر ملك السويد.

أما الأولى فقد نظمها في ” ميخيلوفسكوى Michailovskoye” وهي بيعة لابيه، كان الشاعر نفى اليها بعد عودته من منفاه الاول لوقوع السلطات على رسالة له فيها ما يكرهون، وفي هذه الاعوام اشتد تركيز ذهنه وتمت له السيطرة على صناعته، وقوى فيه الشعور بقيمة اللفظ في الشعر، حتى كان لا ينشر القصيدة الا بعد أن ينحى عليها بالتصحيح والتنقيح أعواما.

كان بوشكين حين نظم ” جودونوف” تحت تأثير شكسبير. وهو من أوائل الروس الذين عرفوا شكسبير وقدروه حق قدره، قال في رسالة الى بعض اصدقائه:”أي رجل شكسبير هذا!! وما اصغر بيرون، كتراجيدي، بالقياس إليه، إن بيرون لا يقدر أن يصف الا شخصية واحدة، هي شخصيته، فهو يعطي لهذه كبرياءه، ولتلك بغضه، ولاخرى مزاجه السوداوي، وهكذا ينتزع من شخصيته القوية النشيطة شخصيات كثيرة لاقيمة لها. وليس هذا من الفن التراجيدي في شيء.”4 يقصد ان بيرون لا يحسن ان يصور من الشخصيات إلا التي تتميز بصفة من صفاته. فإذا تقدم لتصوير شخصية، عاد خائبا، ليس لها هذه الصفة فكأنه لا يصور شخصيات، وإنما يقطع شخصيته أوصالا عديدة تؤلف كل منها شيئا يحسبه شخصية، ماهو بشخصية. (المعرب)

وقد خلصه النفي من الاشتراك في الثورة التي قام بها اصحابه المعرفون بالـ Decabrists ولما أذن له القيصر نقولا الاول في العودة من المنفى سنة 1826، واستدعاه الى موسكو. سأله “ماذا كان يكون موقفك يوم 14 ديسمبر في موسكو؟”

فأجابه بوشكين :” كنت اشترك مع اخواني العصاة “

وكان اجتماع القيصر بالشاعر خطة مدبرة أريد بها التأثير فيه وفي جمعيته التي استثار غضبها إعدام خمسة من الثوار. ولم يكن بوشكين على -قوته العقلية العظيمة- ليختلف عن الطفل في سذاجته وسرعة تصديقه وانقياده، ولذلك لم يجد القيصر صعوبة في اختلابه واجتذابه وإقناعه بأن الهدنة قد عقدت اخيرا بينه وبين الحكومة. ولم يكتشف كيف عبث به القيصر بمساعدة رئيس البوليس -كونت بنكيندروف- الا بعد سنين.

لم يكن بوشكين يتصور وهو في منفاه مدى الشهرة التي نالها بين قومه. فلما عاد الى الاشتراك في الحياة الاجتماعية أذهلته مقابلتهم له. فقد كتب بعض الكتاب يقول: “موسكو السعيدة تحتفل اليوم بتتويجين: تتويج القيصر وتتويج الشاعر”.

وفي الثلاثين من عمره تزوج من فتاة جميلة في الثامنة عشرة تدعى”نتالي جونخاروفا”، ولم يجلب على هذا الزواج سعادة بل ولا هدوءا، وما كان بيت الزوجية أكثر من خان باهظ النفقات.

كان الشعر آخر شيء تحفل له الزوجة الشابة، على أنها نجحت في المجتمع نجاحا كبيرا. وفي هذه الفترة من حياة بوشكين ساءت أحواله. فقد تراكمت عليه الديون، وتغير ذوق الجمهور فلم يعد يتحمس ذلك الحماس لروائع آثاره، وتزايد حقد بعض فرق الأرستقراطية عليه، فعزم على الخروج بزوجه وأطفاله الأربعة الى إحدى ممتلكات والده، حتى يتفرغ لمشاريعه الادبية الكثيرة،

ولكن القيصر عارض الفكرة. فاضطر إلى البقاء، واستمر في الكتابة فاتر الهمة مكتئب النفس. وحدث أن شابا فرنسيا جميلا يقال له البارون دانت Baron Dantes تعرف بزوجته وأخذ يتودد إليها في إلحاح شديد، فدعاه بوشكين إلى المبارزة ، فبارزه وجرحه جرحا بليغا، أودى بحياته بعد يومين. ويموته تمت نبوءة عراف قال له سنة 1819، إنه سيصير معبود قومه. وينفى مرتين، وبأن عليه أن يحذر رجلا جميلا قد يقتله حين يبلغ السابعة والثلاثين. اعتبر الشعب موت بوشكين رزية وطنية، واشتد حزنه عليه حتى خشيت الحكومة أن يؤدي الى قيام مظاهرات عدائية فأمرت بنقل الجثمان سراً الى مقبرة “سفيانيجيورسكي” القريبة من ميخليلوفسكوى -وهناك دفن .

في أول ترجمة ظهرت بالاتجليزية لحياة بوشكين -وهي ترجمة نشرتها مجلة “بلا كوود مجازين”5Blackwood Magazine سنة 1845-  كتب صاحبها توماس شو Thomas Shaw استاذ الانجليزية في كلية (ليسيه) تسارسكوى سيلو، يقول: “يمكن أن يقال ان قصيدة (أفجيني أونجين) أصبحت جزءاً من لغة الشعب الروسي”. ولايزال هذا القول -وقد تقضّت مائة عام- صحيحاً ملموساً.

إنّ اسم بوشكين”يرنّ في أسماع الروس رنين الأغاني والأغاريد. وقد تأصلت شخصيته في أعماق العقلية الروسية؛ وإن الروسي ليعجز، عن تفسير حبه لبوشكين، عجزه عن تفسير حبه للبحر او لنور الشمس، وقد يكون جوابه ابتسامة سعيدة يشرق بها وجهه”.

هوامش

*مترجمة عن مقالة نشرتها مجلة (المستمع) الإنجليزية بقلم أريادنا تيركوفا وبسمز ويبدو من اسمها وإنشائها أنها روسية -المترجم

1. Byron

2. Disenchantment

3. Boris Godounoff

4.  يقصد ان بيرون لا يحسن ان يصور من الشخصيات إلا التي تتميز بصفة من صفاته. فإذا تقدم لتصوير شخصية، عاد خائبا، ليس لها هذه الصفة فكأنه لا يصور شخصيات، وإنما يقطع شخصيته أوصالا عديدة تؤلف كل منها شيئا يحسبه شخصية، ماهو بشخصية. (المعرب)

6. Blackwood Magazine

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply