
في روايته (أنينُ النَّهر) عن دار الأدب البصري للنشر والتوزيع ١٩١٩، يقدِّم لنا الكاتب ناظم المناصير درساً في القيم ورسالةً في الوعظ.
لا يترك المناصيرُ القارىءَ وراء ظهره. هل تعلمون أنَّ أيَّ قاريء سوف يذرف الدموع عندما يقرأ بعض المواقف التي مرَّت بالكاتب فسجَّلها في بعض القصص؟
العرض:
من عناصر الرواية المهمَّةِ العقدةُ وهي تدور حول (زكيَّة الحاج عودة)، امرأةٍ ذات جمال أخَّاذ لها أربعة أطفال توفِّي زوجها وهي في ريعان شبابها. تقدَّم لها عيسى الدَّلَّال مرَّاتٍ عدَّة فجوبه برفض إخوانها لأنَّه يعمل دلَّالاً في السوق. قرَّرت آخر المطاف الهروب معه والزواج منه على سنَّة الله ورسوله واصطحبت معها طفليها الصغيرين وتركت البصرة ونهر البصرة ونهر باب العريض لتذهب إلى مكان بعيد لتسكن معه في بغداد وتنجب منه ولداً وبنتاً كبُرا في بغداد.أمَّا ولداها (نجم وخديجة) فقد بقيا في بيت عمِّهما الحاجّ فالح مرهون الَّذي قام على تربيتهما أفضل تربية مع ولده كامل وابنته حليمة.
عندما اشتدَّ ساعد نجم ارتأى عمُّه أن يزوِّجه ابنتَه حليمة. وعلى الرغم من أنَّ حليمة كانت ترى نجماً أخاً لها تمَّ الزواج حسب العرف السائد آنذاك أنَّ “بنت العمِّ لابن العمِّ”، لذا ذاق العريس الويل ولم يحصل منها على قبلة واحدة لأنَّ قلبها بعيد عنه.
اشتدَّ شوقُ نجمٍ وحنينه لأمِّه وإخوانه فقرَّر الذهاب إلى بغداد بحثاً عنهم بعد أن علِمَ أنَّ أخاه سهيلاً صاحبُ فرن في بغداد. سمع من أحد أصدقائه أنَّ أوَّل ما عليه أن يزوره في بغداد ثلاثة أماكن: علاوي الحلَّة وساحة الميدان وشارع سيِّد سلطان عليّ. هنا وثَّق ناظم المناصير الأماكن التي يوجد فيها العمل التجاري وتمثِّل قبلة السّيَّاح والمسافرين القادمين إلى بغداد ووثَّق اسم الفندق الذي كان يأوي إليه المكتظِّ بالبصاروة آنذاك.
بعد جهد جهيد وقعت عينا نجم على شخص رفَّ إليه قلبه وحنَّت إليه روحه. وبعد السين والجيم اتَّضح أنَّه أخوه سهيل. فرح كثيراً بلقاء أخيه أخيراً وذهبا إلى البيت ليبشِّرا أمَّ نجم بوصوله من البصرة باحثاً عنهم. وفي سرد دراماتيكي فيه شيء من الرومانسية لأوَّل مرَّة يصف الكاتب لقاء الحبيبين، الأمِّ وفِلْذَة كبدها.
تتطوَّر الأحداث لتصل إلى تلاقي الأضداد. خالد ابنُ خال نجم الَّذي يدرس في بغداد أحبَّ طالبة معه ولم يعلم أنَّها ابنة عمته أمِّ نجم المعروفة لدى أعمامه بأنَّها هربت مع عشيقها، في مفهومهم، فجلبت لهم العار على الرَّغم من أنَّها تزوَّجت شرعاً.
بدت الأحداث طبيعية هنا إذ استطاع البطل نجم والبطلة أمُّ نجم أن يريانا تسابق الأحداث من الفراق إلى الملتقى وفق نهج كفاحيّ، بلاغيّ، حركيّ، أدبيّ، من السرد الجميل والكثير. استطاع عنصر التشويق في الرِّواية أن يجلس في الكرسي الأمامي في أوَّل صفٍّ في قلوبنا.
ذروة الأحداث تكاد أن تكون قبل نهاية الرواية؛ يموت بطل الرواية نجم الذي أراد أن يلتئمَّ شمل العائلة وتعود المياه إلى مجاريها بتراجع أخواله واعترافهم بزواج أمِّه ونبذ مخلَّفات الماضي. لكن هيهات، فالَّذي فات لا يعود.
التَّحليل:
كان غرض الحوار بين شخصيات الرواية أو بين البطل ونفسه إعطاءنا فكرة عن أحداث الرواية وزمانها ومكانها. وقد تحقَّق هذا الغرض بالاستخدام الصحيح للكلمات واللهجات والنبرات الصوتية الملائمة، والابتعاد عن الفصحى إلَّا النزر القليل من الأمثال الشعبية في ذلك الزمن.
لم يتوصَّل البطل في هذه الرواية إلى حلِّ العقدة لأنَّه مات قبل نهاية الرواية بقليل في مأساة دراماتيكية بانقلاب السيارة عند ذهابه لحلِّ مشكلة صغيرة.
مالَ الكاتب إلى الإسهاب في سرد الأحداث و لم يترك شيئاً إلَّا فصَّل في وصفه، واستمدَّت الرواية طولها من هذا الوصف التفصيلي الذي ضمَّ دقائق الأمور في مجلسَي الفرح والعزاء. لم يترك الأمثال الشعبية والأهازيج التي كانت تُرَدَّد في ذلك الوقت مثل ( امدلَّل واهله يزفُّونه – الباب اللِّي تجيك منه الريح سدَّه واستريح). كذلك وصف طبيعة الأرض وذكر (العاقول والخرنوب والشِّفلَّح ). وبسبب الوقوف على التفاصيل والإسهاب فيها، فضلاً عن تشعُّب الأحداث، افتقدت هذه الرواية عنصر الفنِّيَّةَ.
يجب أن يكون الكاتب مؤرِّخاً أو باحثاً اجتماعياً ملمَّاً بالتفاصيل من أجل المصداقية، وما دامت روايته تصنَّف روايةً واقعيَّة فلا حاجة بالمناصير لأن يلمَّ بأزمنتها وأمكنتها الكثيرة لأنَّه كان أحد الأشخاص الذين عاشوا في زمان الأحداث ومكانها فهو يقول: “أنا – كاتب الحروف – كنت من بينهم”. وقد جذب ذلك القارىءَ إلى ما هو حقيقيّ.
عرض المناصير وجهة نظر المجتمع آنذاك في الحدث الرئيس من أجل تصحيحه في المستقبل لكن بقيت الأمور والعادات والتقاليد على حالها إلى يومنا هذا. ولا يستطيع الكاتب إصلاح المجتمع بهذه الرواية وإنَّما كان يعرض أحداثاً ويصوِّر مشكلةً لم يأتِ لها تطور الزمن التكنولوجي بالحلِّ الناجع.
“أنينُ النَّهرِ” رواية جميلة ورائعة اعتنى كاتبها بإخراجها. وأقول – والحقُّ يقال- إنَّ صورة الكاتب في الغلاف مرتدياً نظَّارته الكبيرة التي تخفي وراءها عينين واسعتين وجبهةً بيضاءَ عريضة هي أجمل ما في هذه الرواية.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل