
ريشة وقلم لبنى ياسين
لم يكن يوماً عادياً كبقية الأيام. استيقظت يتملَّكني شعور غريب لم أعهده من قبل. كان قد نما لرأسي رأس مستقل، رأيته بأم عيني يستيقظ، يغادر السرير، بينما كنت ورأسي مستلقيين بلا حراك وقد اعتصرنا ألم لا قِبَل لنا به.
حاولت إجبار ذلك الرأس اللعين على العودة إلى جسدي ظناً مني أن ذلك قد يوقف هذا الصداع، لكنه لم يعرني انتباهاً أو اهتماماً، بل تابع سيره مبتعداً دون اكتراث بالرجاء الطافح من اختلاجات صوتي وبطريقة توحي بأنه كان قد بيَّت شيئاً ما وأنه ماضٍ في تحقيق هدفه.
خرج ذلك الرأس، “رأس رأسي”، من غرفة النوم وأنا أراقب حركاته. كان يمتلك جسداً يشبه جسدي إلى حدٍّ ما، ومع ذلك كنت أدرك في أعماقي أنه رأس فقط دون جسد، ولا أعرف لماذا أو كيف أرى له جسداً كاملاً، إنه محض رأس… فما الذي يريده من الجسد؟!
فكَّرت باللحاق به لأعرف ما الذي ينويه لكنني كنت متسمِّرة في السرير، كما لو أن قوة خفية قيَّدتني إلى الفراش ومضت بعدها تسحق بدني لتجبرني على البقاء ساكنة في حالة عجز كامل. صرختُ بالرأس اللعين طالبة منه أن يفك وثاقي المبهم هذا لكنه لم يأبه بي، وكأنني غير مرئية ولا مسموعة بالنسبة له، تملكني شعور بشع بأنني أعيش كابوساً مرعباً، غير أنني لست بنائمة.
صرت أتابع تحركاته في المنزل بواسطة الصوت، أصغي إلى وقع خطواته الرتيبة على الأرض، وأرسم خريطة مسيرته في مخيلتي بناءً على ذلك.
بعدها بدأت أسمع أصوات ارتطام أشياء بالأرض تتكرر، وتتكرر. بدا لي أنه ربما يرمي كتبي أو الأشياء المرتبة في الخزانة، قد تكون أعداد مجلة ” العربي” التي راكمتها على مدى سنوات. صرخت به وقد تملَّكني القلق:
” أخبرني ما الذي تنوي فعله؟ ما كلُّ هذه الأصوات؟”
لكنه، كما في المرة الأولى لم يأبه بي مطلقاً. ظننته مصاباً بالصمم، فصوتي لا يثنيه ولو للحظة واحدة يحاول فيها فهم ما أقول.
مرَّ وقت لا أعلم إن كنت نائمة خلاله أم مستيقظة، لكنني بكل تأكيد كنت متسمِّرة في مكاني تماماً، بعدها بدأت أشمُّ رائحة دخان، بل كنت أستنشقه. حريق يشتعل في منزلي. جُنَّ جنوني، فالموت حرقاً هو آخر ما قد أتمناه.
يبدو أن الجنون في مواقف كهذه يصبح مفيداً، فقد سمحت لي تلك الطاقة الهائلة التي أطلقها الخوف والجنون بالحركة. جررت نفسي إلى الصالة وأنا أشعر أن عظامي تُطحن طحناً لهول الألم، فإذا به قد جمع الكتب في دائرة كبيرة وأشعل فيها النار! تغلَّبت على ألمي وركضت كالمجنونة لأنقذ كتبي، فنظر إليَّ بازدراء.
سمعت صوته أخيراً حين قال:
“اتركيها تحترق! لقد عذَّبتِنا بها بما يكفي. لمَ لا تعيشين الحياة ببساطة وتتركينا في سلام أيتها المعتوهة؟”
لم ألقِ بالاً لكلماته. كنت أحاول إنقاذ كتبي عندما سمعت صراخ أشخاص مذعورين؛ كان أبطال الكتب وشخصياتها ينسلون من صفحات تلك الكتب وينطلقون بلا اتجاه محدد، بعيداً عني، وعن النار. كانت النار قد نالت من بعضهم، وبدا لي أنهم يفرُّون مني بنفس الطريقة التي يفرُّون بها من النيران.
أدركت أنهم يظنون أنني غريمتهم، وأنني من أشعل النار بأوطانهم وبيوتهم. تركت الكتب وركضت باتجاه أولئك الفارِّين، ورحت أناديهم بأعلى صوتي:
” لا تتفرقوا! ستموتون إن تفرقتم. لست أنا من أشعل النار بكم. أنا ضحية مثلكم. تعالوا إلي لننجوَ معاً..تعالوا!”
دقائق بعدها وبدأ الهاربون يلاحقون صوتي ويتجهون إليّ. تجمَّع حشد كبير حولي: رجال، نساء، أطفال، أشجار، حيوانات، وحتى منازل! كلهم نالت منهم النار بشكل أو بآخر. أشَّرت لهم نحو الرأس الذي حاول إحراقهم وتجريدي من رأسي وكتبي، وصرخت بهم:
“هذا غريمنا. هذا من يريد قتلنا جميعاً”.
التقت عيناي بعينيه. كان خائفاً حقاً، ومع ذلك فقد أمطرني بنظرات تحمل من الكراهية ما تنوء جبال عن حملها، نظرات تسببت بسريان قشعريرة هائلة في سائر جسدي.
في تلك اللحظة، كنا قد طوَّقناه جميعاً من الجهات كلِّها وأحكمنا الحصار حتى لم يبقَ له منا مهرب.
كان يتضاءل ويتلاشى كلما ضيَّقنا عليه الخناق، ويحاول جاهداً في الوقت ذاته أن يجد ثغرة بيننا لينسل منها، لكننا لم نكن لنترك تلك الثغرة بيننا، مهما حصل.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل