« فَإِنْ رُمْتُ شَرْقاً أَنْتَ فِي الشَّرْقِ شَرْقُهُ
وَإِنْ رُمْتُ غَرْباً أَنْتَ نَصْبُ عِيَانِي
وَإِنْ رُمْتُ فَوْقاً أَنْتَ فِي الفَوْقِ فَوْقُهُ
وَإِنْ رُمْتُ تَحْتاً أَنْتَ كُلُّ مَكَانِ »
الجامع الكبير كان قِبْلَتَيِ الأولى، لما له من هالةٍ من خلال الصور فكيف الواقع.
أمام الباب الكبير، الكل توحَّد، الكل واحد.
لا مكانَ لتفاصيل صغيرة ولا للمساحات الأكبر.
كأننا ندخل في صلاة النور، نتغلغل رويدا رويدا، لم يعد يعنينا أين ننظر، لأن الحالة غلّفتنا.
الكتابات القليلة تطلُّ بخفر كي لا توقظنا من حالة التوحد، وإن أطلّت، ذلك لتدغدغ أحاسيس ارتقائية.
نسير بخفةٍ وكأننا نكاد لا نلامس الأرض.
فقط مساحة النور تحرّكنا باتجاهها.
نحن في الحضرة، حضرة المكان والزمان، حضرة السماء التي تهيئنا للصعود.
وللمفارقة ونحن في عز النشوة الروحية نستفيق على إضافات مختلفة للحالة التي نحن فيها. إضافات أحترم مصدرها ولكنها لم تضف شيئاً إلى هذا المكان، ولم تكّمل حالة كانت ناقصة. التناقض واضح، ليس في جوهر المفاهيم التي هي من مصدر واحد. ولكن التعبير الفني لهذه الإضافات لم يكن منسجما.
في بعض الزوايا، الإضافات ذات الزخرفة الغربية كان وقعها مختلفا، وخاصة الزخرفات باللون الأبيض أتت متآلفة مع المكان، والانتقال كان سلساً.
عند الخروج الى البهو الخارجي، انتبهت لشجر الليمون (البوصفير، زهره يُستخرج منه ماء الزهر) والى النخيل والسرو، لم انتبه لها عند دخولي، فالجذب نحو داخل المسجد الكبير كان كالسحر.
كل شيء يشي بأناقة الهندسة المعمارية من المنارة الى الابنية المحيطة.
فخامة الزخرفة وانسجام العناصر المكوِّنة، كأنها كل لا يتجزأ رغم غنى وتنوع الاشكال.
عبق الشرق يملأ الجو بعض التماثيل:
الحَكَم المستنصر بالله وابن رشد… دالة على ما بقي شاهداً على زمن زيّن الغرب بهالة من نور وعلم ومعرفة.
الحجارة تتكلم لغة كأنني أفهمها وأتفاهم معها وتناديني: «كنّا المثال فاحتذوا».
طأطأت الرأس كي لا تحسّ المحلة بندوب الروح. كل شيء يناديني.
الزخرفات تتشابك لتشكل كلاً متناغماً غنياً.
قراءتها وتحليلها يوحيان بالكثرة ورؤيتها تدخلك في وحدة التأليف.
نتأمل المباني: عالية لتقول التسبيح ومنخفضة لتعطي الأمان.
الأماكن المحافظ عليها شكلت جزء مهما لما نستطيع ان نعايشه حتى يومنا هذا.
أمام تمثال ابن رشد، نُوضع بحالة تأهب يوحي بعدم الركون: اليد اليسرى تحمل الكتاب وتضعه على ركبته، أما اليد اليمنى فمتأهبة وممدودة إلى الخلف استعدادا للقيام، وكذلك الرجل اليسرى.
ابن رشد التي حُرقت كتبه، مازال يحمل الكتاب لينقله الينا.
فهل نحن على قدر الامانة؟ نتابع التجول، فنطل على مجسّم للحَكَم المستنصر بالله، فيه من الهيبة والنظر إلى البعيد الاعلى.
أین نستريح؟ عند ابن رشد المتيقظ ام عند الحكم المستنصر بالله الذي اعطى للعلم.
والثقافة دوراً وأملاً في المزيد؟
نتابع قراءة المكان: معالم لا تهدأ بالظهور إلى أعيننا، قنطرة الدهر (قنطرة قرطبة أو الجسر): وصفها الادريسي في نزهة المشتاق في «اختراق الافاق»:
«…ولقرطبة القنطرة التي على القناطر فخراً في بنائها وارتقائها، وعدد قسيها سبع عشرة قوسا، بين القوس والقوس خمسون شبراً، وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبراً وسعة ظهرها المعبورعليه ثلاثون شبراً.»
نسير على الجسر نرى الطاحونة تحتفظ بحكاياتها، وتستريح في قلب النهر محتفظة بهيبة عمرها.
نصل إلى Museo vivo de Al-Andalus:
متحف صمم ليختزن تصميماً معبراً عن الحياة الاندلسية في ذلك العصر.
ما استوقفني انه لا يوجد اي تعريف باللغة العربية لهذه المعالم. حتى في Toledo لاحظت ترحيباً محفوراً بالنحاس على الأرض باللغات الاسبانية، الانكليزية والعبرية دون العربية!!؟؟
نتابع مسلسل قرطبة من خلال هذه التكوينات الصغيرة، يمتلأ الصدر بفرح هذه الاضاءات الخالدة، ويتسرب الى العقل شعاعات من الحماسة والأمل بهذه الذات التي ما زالت تشرئب الى مستقبل يدعونا، ونحن نمتلك كل الامكانات اللازمة.
بعد السراح في قرطبة يبقى لظلنا ان يبوح ولو بحسرة حتى الحرقة ومن ثم ينحسر هو الآخر. فهل ينفع معنا استنهاض ابن رشد لنا؟ وهل التمسك بثقافة وتدبر الحَكَم المستنصر بالله يصل ولو متأخراً؟
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
