غرناطة تستيقظ في قلبي

قلم وتصوير غادة عريم

وصلتُ مساء إلى المدينة التي كنت أحلم بلقائها منذ صغري. إنها مدينة غرناطة، خلاصة الحكمة وتهذيب النفس. تلك المدينة الأندلسية التي كانت الفصل الأخير من قصة الأندلس التي تحتضن جوهرة العمارة الإسلامية. 

منذ لحظة وصولي إلى الفندق شعرت باستقبال دافىء. كانت بداية استثنائية. خطوة منحتني شعوراً فورياً بالراحة والاسترخاء أو لعلّي خمّنت ذلك من فرحتي ولهفتي للقاء المدينة.

استلقيت على السرير لأعيد ترتيب برنامجي الذي خططت له مُسبقاً فالغد سيكون لقاء قصر الحمراء وكأنني على موعد مع حبيب. متشوقة وكلّي أمل أن الأمر سيكون أجمل من توقعاتي. ثم قررت الخروج لتناول العشاء والسير قليلا بشوارع المدينة. 

كان بهو المطعم كبيرا نوعاُ ما. طلبتُ الطعام التقليدي وكانت الباهية البحرية لذيذة جداً.. استمتعت بها ثمّ جلست احتسي القهوة في الشرفة، كان الهواء عليلا وأضواء قصر الحمراء تحييّني من بعيد. 

وصلتني رسالة نصية من الدليل الذي اخترته عبر موقع الكتروني ليرافقني في رحلتي المرتقبة إلى القصر يقول فيها:

“أنا بانتظارك غداً في بهو الفندق الساعة الخامسة فجراً.” التوقيع “عادل بورغندي”.

أجبته بالموافقة وتساءلت في نفسي إن كان عربيّا ثم ذهبت إلى غرفتي بانتظار الغد. 

صباح اليوم التالي بعد أن تناولت فنجان قهوة في غرفتي، سألت موظف الاستعلامات عن الدليل عادل بورغندي. أجابني: “مدام ليلى، هو بانتظارك في البهو مشيرا إليه”. كان رجلا اربعينيا وسيما تميل بشرته إلى السمرة ويتمتع بجسم رياضي.

ذهبتُ صوبه وبعد التحية والتعارف قال: “هيّا لنتحرك فيومنا طويلٌ.”

في الطريق سألني: “من أي بلد انت؟” فأوضحت له أن أصولي عراقية ولكنني أقيم في النرويج. بالمقابل سألته: “هل أنت من أصول عربية؟” ضحك قائلا: “هل بسبب الأسم؟” فقلت “نعم”. قال “نعم، تلك قصة طويلة سأحكيها لك في الاستراحة التي نقضيها في قصر الحمراء. إنه اسم جدي الأكبر وهو عربي الأصل وأبي أختاره لي لكنه متداول هنا في اسبانيا وأصولنا تعود الى قشتالة”.

وصلنا بوابة القصر، كان عدد الواقفين أمامنا قليلا فقلت له: “سمعت أن الطابور يكون طويلاً في الدخول فأجابني: “نعم لهذا اخترت أن ندخل مبكراً” ثم أردف “مارأيك نبدأ بالقصبة وهي الجزء العسكري في القصر ثم مساءا نجلس أمام القصر لتري إطلالة برج المراقبة على مدينة غرناطة؟”

أعجبت ليلى بالقصبة وتخيلت العساكر ومكان الخطط. فقالت له: “كانوا أبطالا حقاً، لقد قرأت تاريخ غرناطة وأدهشني دهاء الحكام، لكني آسف لما جرى بعدها من ضعف للدولة وانقساماتها وهكذا تمّكن فردناندو من التغلب عليهم”. 

سكت عادل وقال: “لا أريد الخوض بهذه المواضيع ففي تفكيري كان غزو العرب احتلالاً وليس فتوحات لكنّي أحتفظ برأي الآن”. 

شعرت ليلى بالامتعاض ولاحظ ذلك عادل. فتدارك الأمر وقال لها “هيّا انتهينا من القصبة لنذهب الى القصور النصرية.”

القصور النصرية قلب قصر الحمراء وأجمل أجزائه وتضم المشور  وسميت بهذا الاسم لأنها مكان الشورى، أما مجالسة  الوزراء فهي قاعة الاستقبال. النقوش على الجدران رائعة مطّعمة بقصائد ابن زمرك وإطلالتها الجميلة على مناظر خلابة. هكذا انبهرت ليلى بالمنظر والنقوش والإبداع المعماري. كان عادل ينظر إليها بإعجاب وهي تصف له ما ترى. وحين انتبهت لنظراته ابتسمت وقالت: “أنظر إنه ليس غزواً بل هو صناعة الجمال والحياة؛ فضحك قائلاّ: “كما تريدين”. 

ثم أنتقلنا الى قصر قمارش ويضمّ قاعة السفراء وباحة الريحان. الزخارف على الجدران مطعمة بالقصائد والآيات القرآنية وفيه أطول برج بالقصر بشبابيك ملونة تطلّ على باحة الريحانة التي تحوي حوض ماء مستطيل تعكس صورة القصر. “الجمال رائع هنا يا عادل” قالت ليلى. فقال لها: “استمتعي ودعيني ألتقط بعض الصور لك هنا”. 

شعر عادل وهو يلتقط الصور لليلى بجمالها وبالأخص جمال روحها وابتسامتها الرقيقة. كأن السمار العربي الممتليء بالحياة سلب قلبه. شعر أنه بالغ بالتقاط الصور لها وقال في نفسه: “إنتبه يا عادل ،لا تتعلق بحلم لن يتحقق.” فقال لها: “هيا ما زال امامنا الكثير”.

هكذا انتقلا بعدها الى قصر الأسود والنافورة الوسطية  وثم الى قصر كارلوس الذي يختلف عن الطراز الأندلسي. ومنها إلى جنة العريف وهي عبارة عن ممرات مائية وزهور وأشجار كثيفة.  إنه مكان للاستجمام ويضم الحمامات الملكية التي استخدمت للراحة والاسترخاء. قال لها عادل: “إن أحببت  أستطيع أن أحجز لك بحمام في غرناطة مساء تسترخين فيه بعد هذا اليوم الطويل.”

قالت له: “فكرة رائعة اذا تمكنت” وعلى الفور حجز لهما على الساعة التاسعة مساء. 

وانتهيا من الجولة في المقهى  بجانب القصر للاستراحة فقال لها: “مالك سرحتِ بم تفكرين؟”

قالت: “الآن جاءت ببالي مقولة عائشة والدة الملك أبو عبدالله الصغير عندما وقف فوق التلة التي أطلق عليها “تنّهد العربيّ الأخير” وهو ينظر الى القصر”أبكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً, لم تحافظ عليه مثل الرجال”.  

فقال عادل: “هل تعلمين أني قرأت التاريخ جيدا ولا يوجد أيّ دليل على صحة المقولة! ثم أنتم العرب لماذا تفرقون بين الرجال والنساء؟ توجد من النساء من هنّ أقوى وأشجع من الرجال! ما هذا التفكير المستصغر للنساء لديكم؟ ولماذا لا يبكي الرجل؟ إنها حالة اعتيادية”. 

قالت ليلى: “كلامك صحيح والدلائل كثيرة على شجاعة النساء العربيات لكن هي التقاليد التي زرعت بالمجتمع إذ أعطت للرجل سلطة أكبر ولكن صدقني كلّ شي بدأ يتغيّر الآن في المجتمعات العربية”.

قال لها: “هذا ما يليق برقتك وحسن تفكيرك لكن لا أقتنع كثيراً بكلامك فالقصص التي تحدث ببلادكم عجيبة من العنف الأسري وغيرها”. وأردف قائلاً: “هيّا اذا تريدين لدي الكثير من الأماكن التي سنتجول بها”.

قالت ليلى: “ولكنني دفعت لك فقط لجولة قصر الحمراء!”

قال عادل: “لا يهم ليس لدي اليوم اتفاق آخر.”

تجولا في الأسواق الشعبية للعطّارين. اشترت ليلى بعض الأعشاب من هناك  والعطور الزيتية التي أختارها لها عادل وقال لها هذه العطور تليق برقتك وروحك المرحة. نظرت اليه والتقت عيونهما وكأنّ سهماً أصاب قلبيهما. 

اقتربت الساعة من السابعة فقال عادل: “ما رأيك نجلس بمطعم يطلّ على قصر الحمراء فالمنظر خلاب مع إضاءة الأنوار الليلة؟” وافقته ليلى ففي داخلها أيضا شعرت بأنها ترغب بقضاء مزيدا من الوقت معه.

وصلا المطعم وجلسا في البهو الخارجي. كان منظر القصر خلابا؛ جمال وقوة وهَيبة تحيط الأشجار به من كل مكان والأسوار تحتضنه.

قالت ليلى: “يا له من جمال. أنظر ما فعل أجدادي لقد منحوا المدينة جمالا ووقارا لا نظير له”.

قال عادل: “لا تنسي أن جدي الأكبر عربي وسُميت على اسمه فلي نصيب منه”.

قالت ليلى: “إذا لماذا تقول إنه غزٌ واحتلال وليس فتحا وتنويرا وصول العرب الى الأندلس؟ وهل تعلم كم من قصص العشق حصلت في هذا القصر بين الأميرات وسكان البلد!؟ لكن أغلبها كان قصص وفاء بلا لقاء”. 

قال لها: “هل يمكن أن يحصل لنا مثل هذا الوفاء؟” 

احمّرت خجلاً وخفضت رأسها ولم تردّ.

قال عادل: “ستبقى لنقطة الغزو أو الفتح وخلافنا هذا موضوعاً لنقاشٍ قادم فدعينا نستمتع بالاجواء والطعام”. 

سمعت ليلى في المقهى القريب من المطعم أغاني الفلمنكو الشهيرة فقالت: “ما رأيك نذهب إليه فلدينا من الوقت ما يكفي على موعد الحمامات؟”

دخلا المقهى وكانت الأجواء  رقصا وغناء فسحبها عادل إلى منصة الرقص، قالت له: “لا أعرف..” ردّ عليها: “لا يهمّ سأعلمك الخطوات” فرقصا وضحكا أكثر من مرة.. وحين تعثرت ليلى  فوجئت بعادل يسحبها ويحتضنها لتشعر بخفقان قلبه وأنفاسه حتى تمنت لو يطول ذلك الاحتضان! 

كانت الحمامات محطتهما الأخيرة أفترقا فيها؛ فهي في الجزء النسائي واتفقا على أن يلتقيا بعد ساعة. كان الحمام أندلسيا منعشا على الحجر الحار والمياه الدافئة.

خرجت ليلى لترى عادل بانتظارها وما أن رآها حتى تسّمر بمكانه. كانت خدودها بلون الورد ولعينيها بريق النجوم وشعرها الأسود ينساب وهو يحمل أسرار الليل. 

تقرّب منها وطبع قبلة طويلة على خدها وقال: “عوافي! اليس هذا ما تقولون؟” وأضاف: “لقد استعملتِ الزيوت التي اشتريتها لكِ أنها تليق بهذا الجمال”.

لم تجب هذه الـ(ليلى) ولكأنّها مستمتعة باللحظة ولا تريدها أن تنتهي.

أوصلها الى الفندق وودّعها قائلاّ: “لعلنا سنلتقي يوماً ما ونناقش موضوع الغزو والفتح!” لتردّ عليه: “ثمّ سأقنعك أن صناعة الجمال لن تكون يوماً قاسية الصفات”. 

أجاب: “نعم، لقد أقنعتني بأن الجمال لا يجلب غير العشق والسلام وسنلتقي غداً لنثبت ذلك!”

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply