القوّة والتّمكُّن، مزيج فريد، كقوة الهيدروجين والأوكسجين على سبيل المثال والتبسيط. كل منهما متوفر في كل مكان بخصائص وجودية وتدميرية. نحتاج إليهما للبقاء على قيد الحياة أو تدميرها. فلا يمكننا العيش بدون الأوكسيجين إلا دقائق معدودة مع أنه المغذي الأساسي للنار التي تحرق وتدمر متى استُخدمت لذلك، ويمكن لقنبلة الهيدروجين أن تكون أقوى من القنبلة الذرية بعشرات المرات، رغم أنه طاقة نظيفة، يستفيد منها النبات والأحياء. وعندما يندمجان يكوِّنان الماء، سر الخلق والبقاء.
تُعرّف القوة بأنّها الفعل الذي يؤثر في حركة جسم ما مسببًا بذلك تغييرًا في حالته واتجاهه وسرعته وشكله، ويُمكن تفسيرها أيضًا بناءً على قوانين نيوتن الفيزيائية للحركة، والتي نصت على وجود قوة خارجية تدفع الجسم للتسارع والحركة، ومن الجدير بالذكر أنّ القوة تُعدّ كمية فيزيائيّة متجهة؛ أيّ أن لها مقدار واتجاه1مفهوم القوّة -شروق المعايعة- موقع “موضوع أكبر موقع عربي بالعالم” 17 أكتوبر 2021
وجاء في اللغة أن التّمكّن هو نفوذ بعد شيء في مكان وذلك الشيء يسمّى متمكِّنا. والمكان إن كان بمعنى السطح الباطن فنفوذ بعد الشيء بمعنى مماسّة السطحين أي سطح الشيء وسطح المكان بتمامهما. وإن كان بمعنى البعد المجرّد القائم بنفسه فنفوذه بمعنى ملاقاة جميع أبعاد ذلك الشيء لأبعاد ذلك البعد المجرد وذلك بالتداخل. وإن كان بمعنى البعد الموهوم فالنفوذ أيضا بهذا المعنى2موضوع التمكّن- كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهناوي The Arabic Lexicon الرابط: https://arabiclexicon.hawramani.com/?p=36305#affaa5
الخوض في القوة والتّمكّن موضوع شائك يطال الكون بأسره من أدنى المخلوقات إلى أسماها، ما هو إلا كالولوج إلى مغارة علي بابا والبحث في خباياها عن قنديل علاء الدين. لذلك سأتكلم عن سحر اللقاء بينهما، لقاء يسعى إليه كل إنسان على مستوى قدراته وووعيه وادراكه. فالفلاح يثبت قوّته وتمكّنه من التغلب على جغرافية المكان ليزرع ويحصد، وعند الحصاد الوفير يدرك قوّته من خلال نتيجة عمله. والعالم الذي يسعى في مختبره علمًا وعملًا لا يدرك قوّة أفكاره إلا بعد تمكّنه من جمع قدراته الفكرية والعملية لإنتاج أو اكتشاف اختراع جديد. هذه القوى الفردية، والتّمكّن منها بالعلم حينًا والتجربة والمثابرة حينًا آخر ما هي إلّا حالة فردية، قد يتشارك في الإفادة مِن نتائجها جماعة محدودة أو العالم بأسره.
لكن القوة الفعلية التي تؤدي إلى التّمكّن الجارف، تلك التي يسعى إليها البعض معقدّة التفاصيل تؤدي إلى نجاحات عظيمة، تبني أو تدمّر. القوّة الفعلية المؤثرة ما هي إلا مجموعة من القوى الفكرية والمادية المتوافقة بالتزامن مع استغلال أقصى درجات المعرفة والتكنولوجيا، واستغلال المجتمع المحلي والعالمي من خلال الاندماج بين هذه القوى. اندماج هذه القوى ليس بالأمر السهل إذ يحتاج إلى ذكاء غير عادي، ودهاء فكري مدعومًا بالعلم والمعرفة مع طموحات غير عادية من حب الظهور والسيطرة. فلو أخذنا على سبيل المثال آينشتاين وتسلا اللذين تملّكا المعرفة بذكاء وقّاد قدّما للبشرية علومًا غيّرت وجه البشرية. لكن طموحاتهما لم تتجاوز ذلك لليسطرة والتّمكّن من حقول أخرى. لكن أديسون كانت له طموحات اقتصادية فتملّك باعًا اقتصاديًا ما زال موجودًا بقوّة. لكن ايلون ماسك الذي جمع بين قوّة الذكاء، والاستثمار في برامج يعتبرها البعض من ضرب الخيال أعطته قوة اضافية جعلته يتوجه للحقل السياسي من خلال تمكّنه من أدواته التي وازن من خلالها بين القوى التي تحصّل عليها ليتمكّن من تحقيق طموحات ما زال يعمل عليها بجد ونشاط رغم ثروته الهائلة.
هذا على الصعيد الفردي أما على صعيد الدول فالأمر يختلف كثيرًا رُغم التشابه في الوسيلة. فالدول التي تشعر بتملك القوى البشرية والاقتصادية، يتنازعها حلم الامبراطورية للتحكم بمقدّرات الكوكب. لم يتغيّر شيء عبر التاريخ، إلا وسائل جمع القوى وطريقة تنفيذ ما يسمح لها تمكّنها منه. كلما فاضت القوى التي تتحكم بها دولة ما، وزاد من تمكّنها الاقتصادي والعلمي الداخلي استخدمت الفائض في بناء قوة عسكرية تحمي مُجمع القوى التي شكّلتها وتمكّنت من استغلالها طبقًا لأجندة الطبقة الحاكمة. لكن الخوف الذي يعتري تلك القوى أصعب من التي يعاني منها الفرد. فتسلا على سبيل المثال، خسر أموالًا كثيرة، وسرقت بعض اختراعاته كما أفلس عدّة مرات من دون أن يؤثر ذلك على التمسك بقواه الفكرية التي أفرزت الكثير بعد كل مصائبه. لكن الدول بالمقابل، تسعى إلى تحطيم وتدمير أي دولة تنافسها في أي من مجالات القوة التي جمعتها، بل تسعى للسيطرة على موارد الدول النامية حتى تبقيها دول مستهلكة، تعج بالفوضى من خلال اشغالها بمشاكل مصطنعة. ولا ننسى أن ما ينطبق على خطورة القوى المتمكّنة في بعض الدول ينطبق على الأفراد. فما نراه في بلادنا، أن الشخص الذي يحصل على مجموعة قوى مالية واقتصادية، مع دعم سياسي يمكنه من زعزعة السلم الاجتماعي والعمل على التلاعب بالقانون، واستخدام نفوذه لتحطيم المجتمع من خلال التجارة المحرمة والتدمير البيئي من أجل تحقيق طموحاته الفردية. قلّة من العاملين على تسخير قواهم المتمكّنة لخدمة الإنسانية والمجتمع.
نستنج من ذلك أنه كلما ازداد تجميع القوى إلى بعضها مع دمجها في بوتقة قوّة جبّارة لتخدم طموحاتها كلما ازدادت خطورتها، وعند التّمكّن من استخدامها بفعالية أكبر تصبح وبالًا على من حولها. فعليًا لا يوجد دولة قوية متمكّنة لا تنغمس بأعمال إجرامية، من سرقة ثروات البلدان الأخرى أو تحطيم آمالها لضمان سيطرتها وسطوتها. وحيث إن المقال لا يسمح بالاطالة سأختم بما قرأته في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي في مجلة الايكونومست ” اتفقت الدول الصناعية السبع على عدم سماح لدولة ثامنة بدخول منتدى الأعضاء السبع، والعمل على تدمير اقتصاد أي دولة تقترب من ذلك”
*سحر التمازج بين القوة والتّمكّن لا يجاريه سحر آخر، ففي كل منّا حاكم نائم ينتظر الفرصة المؤاتية، والقوة النافذة لينزع قناعه ويطلق لسحر قوّته أن ينعم بفناء الآخرين.
الهوامش:
1. مفهوم القوّة -شروق المعايعة- موقع “موضوع أكبر موقع عربي بالعالم” 17 أكتوبر 2021
2. موضوع التمكّن- كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهناوي
The Arabic Lexicon
الرابط: https://arabiclexicon.hawramani.com/?p=36305#affaa5
