
الشَّاعرُ البحتريُّ أحدُ الثَّلاثةِ الَّذين كانوا أشعرَ أبناءِ عصرِهم.
قيل لأبي العلاء المَعرِّيّ: “أيُّ الثَّلاثةِ أشعرُ؟” قال: “المتنبِّي وأبو تمَّام حكيمان وإنَّما الشَّاعرُ البحتريُّ”. ووُصِفَ شعرُه بسلاسل الذَّهب.
هو أبو عبادة الوليدُ بن عبيدٍ بن يحيى الطَّائيُّ البُحتريُّ المولود سنة 204 للهجرة /821 للميلاد في مَنْبِج الواقعة بين حلب والفرات شمالي سوريا والمتوفَّى سنة 284 للهجرة /897 للميلاد. اتَّصل بأبي تمَّامٍ الطَّائيِّ في حِمْص وعَرضَ عليه شعرَهُ فقال له: “أنتَ أميرُ الشِّعرِ من بعدي”. رحل إلى العراق واتَّصل بالخلفاء العبَّاسيِّين، ومنهم المأمون والمعتصِم والمعتمِد والمعتضِد، وقرَّبهُ المتوكِّل. له كتاب (الحماسة) على مثال حماسة أبي تمَّام ضمَّنه شعراً لستِّمائةٍ وثلاثين شاعراً قسَّمه على مائةٍ وأربعة وسبعين باباً بحسب المعاني. وضمَّ ديوانُه المطبوع ما يربو على خمسةَ عشرَ ألفَ بيتٍ من الشِّعر.
يقول البُحْتُريُّ:
رَحَلَتْ وَأَودَعَتِ الفُؤادَ لَواحِظاً تُوهي القُوى وإشارةً بِبَنانِ
خَودٌ كَبَدرٍ فَوقَ فَرعِ أَراكةٍ يَهتَزُّ مَثنِيَّاً على كُثبانِ
لَمياءُ تَبسِمُ عن شَتيتٍ واضحٍ كالأَريِ يَروي غُلَّةَ الصَّديانِ
فَتَنَتْكَ بِالدَّلِّ الرَّخيمِ ولَم تَزَلْ كَلِفاً بِكُلِّ رَخيمَةٍ مِفتانِ
وشَجَتْكَ بِالتَّفريقِ ظعنُ فَريقِها فَظَعَنْتَ إِلَّا الشَّجوَ في الأَظعانِ
ظَلَّتْ دموعُكَ في طُلولٍ بُدِّلَتْ بضيائِها ظُلَماً إِلى ظَلمانِ
إِنَّ الغَرائرَ يومَ جَرعاءِ الحِمى أَغْرَينَ دَمعَ العَينِ بِالهَمَلانِ
غادَرْنَ عَقلَ أَبي عِقالٍ ذاهباً ووَقَفْنَ مُهجَتَهُ على الأشجانِ
لَم يَغْنَ في تلكَ المَغاني بَعدَهُم بَلْ ما غَناءُ مَعاهِدٍ ومَغاني
يا دارُ جادَ رُباكَ جودٌ مُسبِلٌ وغَدَتْ تَسُحُّ علَيكَ غادِيتانِ
فَدَعِ ادِّكارَكَ مَن نَأى وانعَمْ فَقَد دامتْ لَنا اللَّذَّاتُ في دامانِ
والمَرجُ مَمْروجُ العِراصِ مُفوَّفٌ تَزهى خُزاماهُ على الحَوذانِ
وَالرَّقَّةُ البيضاءُ كالخَودِ الَّتي تَختالُ بَينَ نواعمٍ أَقرانِ
مِن أبيَضٍ يَقَقٍ وَأصفَرَ فاقعٍ في أخضَرٍ بَهِجٍ وأحمَرَ قاني
ضَحِكَ البَهارُ بِأَرضِها وَتَشَقَّقَتْ فيها عيونُ شقائقِ النُّعمانِ
وَتَنَفَّسَتْ أنفاسُ كُلِّ قَرارَةٍ وَتَغَنَّتِ الأَطيارُ في الأَفنانِ
فكَأَنَّما قَطَرَ السَّحابُ على الثَّرى عِطراً فأَذكاهُ ذَكاءَ بَيانِ
ومنها:
فإذا العيونُ تَأمَّنَتْ أشخاصُها فكأَنَّهُنَّ إلى العيونِ رَواني
وكأَنَّما تلكَ القُدودُ أَوانِسٌ كالعينِ لَم يَأنَسْنَ بالإنسانِ
وتَفَجَّرَتْ أنهارُها بمياهِها مَوصولةً بِفَواهِقِ الغُدرانِ
مِثلَ المَرايا في نَمارِقِ سُنْدُسٍ خُضْرٍ يَروقُ العَينَ بِاللَّمَعانِ
أَو فِضَّةٍ فاضَتْ بأَرضِ زُمُرُّدٍ أَو ماءِ دُرٍّ دارَ في مَرجانِ
فكأنَّ دَيناً لِلسَّماءِ على الثَّرى سَلَفاً قَديماً حَلَّ في نَيسانِ
ظَلَّ السَّحابُ سَفيرَها وسَفورَهُ ويقودُها عَينانِ يَنسجِمانِ
مَنَحَتْهُ وهيَ شَجِيَّةٌ بِبُكائِها ووفى بِضَحكِ الموثَقِ الجَذْلانِ
مُتَبَسِّمٌ عن لُؤلُؤٍ مُتَلَألئٍ ونواعمٍ مِثل البُدورِ حِسانِ
شُغِفَ السَّحابُ بِها فَرَوَّى زَهْرَها رَيقاً فَراحَ كرائحٍ نَشوانِ
وحَبا غَدائِرَها بِدُرٍّ سَحّهُ وفَرائدٍ مِن لؤلؤٍ ومَثاني
فتتَوَّجَتْ بِجِنانِها وَزَهَتْ على تِلكَ الرِّياضِ ببَهجَةِ التِّيجانِ
وإذا بَدَتْ شَمسُ النَّهارِ مُضيئةً فَلَنا بِها وبِحُسنِها شَمسانِ
وإذا الهِلالُ أَغَبَّنا جُنْحَ الدُّجى فَبِنورِهِ يتنوَّرُ الأُفُقانِ
***
ولَرُبَّ يَومٍ قَد قَتَلْتُ بِقُمرِهِ وقَطَعتُهُ في ظِلِّ لَهوٍ داني
وطَرَفتُ فيهِ مُشَمِّراً في شِرَّتي بِطَرائِفِ اللَذَّاتِ طَرْفَ زَماني
مَعَ فِتيَةٍ مِن آلِ ناجِيَةَ الأُلى أَحيَوا فَخارَ مُجاشِعٍ وَأَبانِ
نَحَروا الأَسِنَّةَ بِالنُّحورِ تَهاوُناً بالمَوتِ بَلْ مَرَناً عَلى المُرّانِ
شَرَفُ القَبائلِ واحدٌ إِن حُصِّلوا ولَنا إذا افتَخرَ الورى شَرَفانِ
لا نَرهَبُ الأَيَّامَ بَلْ مِن بَأسِنا يُخشى الرَّدى وحَوادِثُ الأَزمانِ
راوَحتُهُم راحاً كأنَّ شُعاعَها ووجوهَهُم بَرْقانِ يأتلقانِ
مِن كَفِّ رَيّانِ الشَّبابِ مُنَعَّمٍ يَسبي العُقولَ بِطَرفِهِ الوَسنانِ
فَضَحَ البُدورَ ضِياؤُهُ لَمَّا بَدا ثَمِلاً وأَخْجَلَ مائلَ الأَغصانِ
فكأنَّهُ أَلِفٌ لِحُسنِ قَوامِهِ وكأنَّ عِطفَي صُدغِهِ نونانِ
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل