يجد الإنسان نفسه في الحياة قبل أن تتهيّأ له اللغة التي تُحكِم قبضتها على الأشياء، وقبل أن تتبلور في ذهنه المفاهيم التي سيستعين بها على تأويل ما يجري من حوله. وحين تأتي هذه اللغة أخيرا، تأتي محمّلة بنظام رمزي سابق على الفرد بأمد بعيد، نظام تشغّله الثقافة في صمت عميق وتنتج من خلاله صور العالم قبل أن يدرك الكائن أنه يستهلكها. الوجود الذي يُلقى فيه الإنسان تترسّب فيه الأزمنة والآثار والتجارب المتوارثة جيلا إثر جيل، حتى يغدو ما يستقبله الكائن حين يفتح عينيه على العالم رسوبا متراكما من الخبرات البشرية التي سبقته بأمد بعيد. وقد تحولت هذه التجارب في مسارها الطويل إلى علامات باتت تُحيل على ذاتها أكثر مما تحيل على ما كانت تعنيه حين نشأت، فصار الموروث الإنساني في مجمله منظومة من النماذج الجاهزة تسبق الواقع وتهيّئ له شكله، حتى غدا ما يسمّى تجربة الفرد أثرا لأثر، وصدى لأصوات كانت هي ذاتها أصداء لما سبقها. وتستقبل هذا الكائن وجوه وأمكنة وإيقاعات يومية، غير أن ما يصله في حقيقته منظومة من المحاكاة المتراكبة التي تعمل على تشكيل تجربته قبل أن تتاح له فرصة تجربتها. الروائح والمشاهد التي تنحت في شعوره نحتا صامتا هي في الوقت ذاته نماذج تعيد إنتاج نفسها في الوعي بصورة تجعل التمييز بين الأصل والنسخة أمرا عسيرا، تجعل السؤال عن الأصل ذاته سؤالا يفتقر إلى موضوعه.
تنعقد بين الكائن وما يحيط به صلة تنمو في عمق سابق على التصنيف والتفسير، كأنها جذر يمتد في تربة يحسها صاحبه في ثقله حين يمشي، دون أن يدرك أن هذه التربة ذاتها أرض أعيد تشكيلها بما يكفي لتبدو طبيعية وكأنها كانت دوما على هذا النحو. في المنطقة التي يعجز النظام عن إعادة إنتاجها، هذه الصلة التي يحسبها الكائن أصيلة وموصولة بجوهر وجوده هي في حقيقتها ما أنتجه النظام الرمزي بصبر وإتقان، إذ عمل على ترسيخها في الشعور قبل أن يملك الفرد أدوات التساؤل عن أصلها. تتراكم هذه الصلة عبر الزمن وتزداد رسوخا مع كل تجربة تضاف إلى ما سبق، حتى تتحول إلى ما يشبه الطبيعة الثانية، طبيعة اكتسبت من طول الإقامة فيها ما يجعلها تبدو سابقة على كل اكتساب. وتستقر صور العالم في الذاكرة بطريقة تتخطى الحفظ والاسترجاع، وتستقر آثارها في الجسد كما تستقر ندوب القماش في نسيجه. ويغدو الإنسان مشدودا إلى شبكة من العلاقات، يحسب أنها تمنحه انتماءه إلى الوجود، في حين أن هذه الشبكة ذاتها هي ما ينتجه النظام الرمزي لضمان استمراره وتداوله وتجديد سلطته على ما يعاش. يسكن الإنسان في اللغة وفي العلاقات وفي العادات اليومية التي تمنح الوجود إيقاع المعهود، وهو سكن يبدو طبيعيا لأن النظام أتقن إخفاء اصطناعيته. بيد أن الكلمات المتداولة تتحول بين أفراد المجتمع إلى مسالك مطروقة توجه التفكير وتشكل ممكنات التأويل. وتغدو العلاقات مع الآخرين فضاءات يكتشف فيها الإنسان أبعاد ذاته التي ظلت خافتة في غياب الآخر، غير أن هذا اكتشاف الذات والغير يجري دوما عبر وساطة الرموز التي يتيحها النظام الرمزي ويجيزها، فيبقى ما يكتشف محكوما بحدود ما يسمح باكتشافه. ويتشكل هذا كله في بطء ودون ضجيج، مولدا شعورا بالانتماء يسبق كل قرار واع ويبقى عاملا خفيا في تشكيل المواقف والأحكام، بحيث يُخيل للفرد أنه يختار بإرادته، لكنه في الحقيقة عكس ذلك. ويحضر الزمن في هذه التجربة كنسيج متشابك الخيوط تتداخل في تركيبه خيوط ناعمة، غير أن هذا النسيج ذاته محكوم بما ينسجه النظام الرمزي في الخفاء.
يحضر الزمن في هذه التجربة بوصفه نسيجا متشابك الخيوط تتداخل في تركيبه طبقات من الشعور والذاكرة والتوقع، غير أن هذا النسيج محكوم بما يحيكه النظام الرمزي في الخفاء. فما يحسب الفرد أنه زمنه الخاص، زمن مشاعره وذكرياته وتطلعاته، هو في أعمق مستوياته زمن مُصنَّع تُمليه الثقافة وتشكل إيقاعه قبل أن يشعر به أحد. تحدد له النظم الرمزية ما يستحق التذكر وما يصلح أن يُنسى، وما يعد تطلعا مشروعا وما يقع خارج دائرة المتخيل، فيعيش الكائن في زمن يظنه نابعا من أعماقه بينما هو صدى لما رتب له من قبل. تستمر أحداث بعيدة في ممارسة أثرها بعد سنوات من حدوثها، وتلوح إمكانات آتية في هيئة رغبات وصور تضيء المسير. غير أن هذه الصور تنتمي في جوهرها إلى مخزون الثقافة الرمزي قبل أن تنتمي إلى تجربة الفرد، فهي نماذج أعدت وصيغت وتداولتها الأجيال قبل أن يحسب هذا الفرد بعينه أنه يحلم بها لأول مرة. يتطلع المرء إلى ما يظنه أفق حياته الخاصة، وما هو في حقيقته صدى لصور سبق إنتاجها في المخيال الجمعي، فيعيد من حيث يجهل استهلاك ما استهلكه غيره، ويسمي هذا الاستهلاك تطلعا وحلما وإرادة.
يتحرك الوعي وسط هذا الامتداد كما يتحرك القارئ في نص كتب قبل أن يبدأ قراءته، يحمل في نظرته ما رسخته فيه قراءات سابقة بينما يكتشف ما أمامه بعيون ظلت مدربة على رؤية ما أعد لها أن تراه. ويكتسب الحاضر كثافته من هذا التراكم الذي يجعل كل لحظة حاملة لما سبقها ومفتوحة على ما سيأتي، في حركة تبدو حرة وهي في أعمق مستوياتها محكومة. وحتما ثمة لحظات تتوقف فيها هذه الصلة المألوفة بالعالم وتغدو موضع تساؤل، وهي اللحظات التي ينكشف فيها ما ظل مخفيا تحت سطح الاعتياد. حين يرحل شخص كان حاضرا في أيامنا، أو حين نعود إلى مكان عشنا فيه بعد غياب طويل، أو حين يصطدم المسار المرسوم بعائق لم نحتسبه، ينكشف عمق ما كنا نسكن فيه دون أن ندرك حجمه.
تظهر الصلة في لحظة اهتزازها أوضح مما ظهرت في أيام الاستقرار، ويكشف الغياب عن حضور كان يؤثّر فينا بصمت. في هذه اللحظات بالذات تتشقق واجهة المحاكاة وتلوح من ورائها هشاشة النظام الرمزي الذي كنا نعده العالم نفسه، فنكتشف أن ما كنا نسميه واقعا كان نسقا من التمثيل ، وأن ما كنا نسميه تجربتنا كانت في معظمها مسرحا أُعدّت كواليسه بعناية. تزداد هذه المعرفة عمقا مع تنامي الإحساس بعبور الزمن في الأشياء والكائنات، إذ يفضي هذا العبور إلى ما يعجز النظام عن استيعابه. تظهر علاماته في الوجوه والأمكنة والعلاقات، وتتحول الذكريات إلى حضور خافت مستقر في الأعماق. تنكشف قيمة التجربة الإنسانية عبر قدرتها على احتضان ما يمر فيها من لحظات وأشخاص وأماكن، وتركهم يمضون دون محاولة تجميدهم عند صورة واحدة، إذ إن التجميد ذاته هو الآلية التي يعتمدها النظام في تحويل الحي إلى علامة قابلة للتداول. وتكتسب اللحظات فرادتها من موقعها داخل مجرى الحياة، وتستمد الأشياء جمالها من حضورها المؤقت وإدراكنا أن هذا الحضور آيل إلى الزوال. ويتحول العيش إلى إصغاء لما يكشفه الزمن في مساره الهادئ، بعيدا عن ضجيج التمثيل وإغراء الصورة المكتملة. وربما تعني الإقامة الحقيقية في الحياة أن يظل الإنسان منتبها لما تخبره به تجربته في مواجهة ما يمليه عليه النظام، جامعا بين الانخراط في الحياة والمسافة الكافية عن آليات إنتاجها. يتعلم أن يحمل أسئلته بأناة، وأن يسكن في التساؤل ذاته دون استعجال إجابات جاهزة، لأن الإجابة الجاهزة كثيرا ما تكون الفخ الذي ينصبه النظام لإسكات السؤال. ينكشف معنى الحياة عبر هذا المسار المتراكم من الخبرة والتأويل في النسيج اليومي للعيش ذاته، وتتشكل الذات من آثار ما عاشته وتتجدد مع كل تجربة جديدة. عند هذه العتبة يغدو السكن في الحياة مقاومة هادئة للاختزال، ومحاولة متواصلة لاستعادة التجربة الحية من داخل النظام الذي يهدد دوما بتحويلها إلى صورة عنها، ويغدو الفكر والإبداع بمختلف أجناسه وأشكاله، ممارسة للإقامة في ما يتعذر على النظام استيعابه، في التفصيل الخافت والزائل والمتفرد الذي يحمل وحده شيئا من ثقل الوجود الحقيقي وخفته معا.
وينشأ عن هذا الإدراك انتباه خاص إلى التفاصيل التي تمنح الحياة ثراءها الخفي، وفي هذه التفاصيل يتمظهر العالم بشكل ساطع لأنه سيكون خارج دائرة الاستهلاك الرمزي، لأن فرادتها مرتبطة بزوالها وبكونها تحدث مرة واحدة في تجربة لا تتكرر. فالحياة لا تعاش إلا مرة واحدة، والتجربة في عمقها الأصيل لا تتشكل كأيقونة إلا في لحظة حدوثها، ثم تمضي إلى ما وراء كل تمثيل. هذا ما يجعلها تقاوم النظام بصمت، لأن النظام يقوم على إعادة الإنتاج واستنساخ النماذج، في حين أن التجربة الحقيقية تحدث مرة واحدة وتترك أثرها ثم تفسح المجال للعدم، وفي هذا العدم ذاته يكمن ما يمنحها معناها الذي يتعذّر على أي نظام رمزي استيعابه أو تداوله.
المراجع
BARTHES, Roland, Le Plaisir du texte, Paris, Seuil, 1973.
BAUDRILLARD, Jean, L’Échange symbolique et la mort, Paris, Gallimard, 1976.
BAUDRILLARD, Jean, Simulacres et Simulation, Paris, Galilée, 1981.
FOUCAULT, Michel, Les Mots et les Choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1990.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل